عن كتاب زخرف القول
عن الكتاب
كتاب زخرف القول يتناول دراسة وتحليل ونقد لمجموعة من المقولات المؤسسة للانحراف الفكري المعاصر، وهي مقولات تتميز بالشيوع والانتشار، والوجازة والاختصار، وتحمل في طياتها حججا ميسرة مباشرة، لكنها تتضمن معاني باطلة أو ملتبسة تسهم في تمرير عدد من الانحرافات الفكرية.
يناقش الكتاب 41 مقولة تتمدد في مجالات مختلفة، منها: العبث بمصادر التلقي ومناهج الاستدلال، ورفض بعض الأصول والأحكام الشرعية المحكمة، وقبول مفاهيم معاصرة مصادمة لقطعيات الشريعة، والتهوين من الالتزام بأحكام الشريعة.
عن المؤلفين
عبد الله بن صالح العجيري - باحث ومفكر إسلامي
د. فهد بن صالح العجلان - أستاذ جامعي وباحث في الفقه والسياسة الشرعية
معلومات النشر
الناشر: مركز تكوين - لندن
الطبعة: الرابعة
عدد الصفحات: 341 صفحة
منهج الكتاب
يسعى الكتاب إلى جمع عدد من المقولات المؤسسة للباطل ومعالجتها بمنطقها الواضح المباشر الميسر، بهدف كشف ما فيها من مشكلات، وفحص كل مقولة على حدة، وتحليل مضامينها الداخلية، وفرز ما فيها من حق وباطل.
من المقدمة
المقدمة :الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبيه ومصطفاه، أما بعد لم يعد المجال الفكري شأنًا خاصًا بنخبةٍ هامشيةٍ تجتمعُ في مراكز بحثية أو صوالين أدبيةٍ أو مؤتمراتٍ سنويةٍ أو جلسات مغمورةٍ هنا أو هناك، ولم تعد المفاهيم الفكرية تصبّ في قوالب فنية اصطالحية غير مفهومة لعموم الناس؛ بل أصبحت اللغة الفكرية اليوم تجسّ د لغة التواصل االجتماعي التي تتصارع مختلف القوى لضخّ تصوّراتها ومفاهيمها من خاللها، لتقدم تلك التصورات والمفاهيم للمستهلك .النهائي وال يرتاب المتابع في أن ثورة المفاهيم الفكرية المعاصرة ارتبطت مركزيًا بثورة نُظم االتصال المعاصرة، فأصبحت رموز التأثير االجتماعي في الفضائيات وشبكات التواصل االجتماعي والصحافة؛ تتنافس في صياغة التصورات العقدية ًوالفقهية والمنهجية من خالل أدوات وأساليب المعالجة الفكرية، وهو ما أثمر حالة من االنهماك في السجاالت الفكرية حتى باتت تلتهم جزءاً كبيراً من أوقات الشباب ومجالسهم، وأخذت األفكار الفلسفيّة والحداثيّة بتفاصيلها ومذاهبها كافة، والمشاريع النقديّة بروّادها ومؤلفيها، والمباحث الحقوقية والسياسية، وغيرها؛ تتسرّ ب لدائرة .اهتمام الشباب، وتحتل مركزاً متقدمًا في سُ لّم األولويات لجيل اليوم ًومع توسع دائرة الجدل الفكري وتمدّد مساحاته، فلن تخطئ عينك عدداً كبيرا بوعي- من المقوالت التي باتت تتكرر مع تكرر هذه السجاالت، وصارت بذاتها أداةً للبرهنة واالحتجاج في سياقات الجدل والنقاش، وقد تتنوّع- أو بغير وعي
املقدمة صورها وصياغاتها لكنها عند التأمل ترجع إلى حُ زمٍ معينة تسعى إلى التعبير عن أفكار مركزية مؤثرة، يتم صكها في جملة مركزة مختصرة، تُسهِّل عملية تناقلها على األلسن وتسللها إلى األذهان، نظراً لوضوح صياغتها، ومباشرة فكرتها، وتضمنها حجةً ميسرة تخلق نوعًا من االطمئنان حيالها، وتتشربها النفوس بسهولة ويسر، وتظهر المشكلة حين تتضمن مثل هذه المقوالت معانيَ باطلة أو ملبسة تسهم في تمرير عدد من .االنحرافات الفكرية المنوعة بتنوع هذه المقوالت وهذه المقوالت هي ما اقترحنا تسميته هنا: بالمقوالت المؤسسة لالنحراف :وهي مقوالت تتميز بعددٍ من الخصائص، من أهمها .الفكري المعاصر ،فهي مقوالت تحظى بمستويات عالية جداً من االنتشار : الشيوع واالنتشار-1 فال يقتصر تداولها أو تأثيرها على نخبٍ معينةٍ من الناس، وإنما تتردد أصداؤها بين .طبقات مختلفة من الناس على تفاوت ما بينهم في العلم والفكر والنظر واالطالع الوجازة: فهي عبارات مختصرة مركزة، تضُ خُّ عدداً من المفاهيم على نحو-2 مكثف، في كلماتٍ معدودة، وهو ما يسهل حفظها، وتداولها، ويسهم في ذيوعها .وانتشارها ،فهذه المقوالت تأتي غالباً في مقام االستدالل لألفكار : التأثير القوي-3 والبرهنة على األقوال، واالستمساك بالمواقف، فهي تخلق وهماً عند أصحابها بأنها تمثل حجةً حاسمةً في النقاش، فال يُدقق كثيراً في مضمونها أو يفتش عن براهينها، بل .يظن أنها تكتسب طاقتها التأثيرية من ذاتها فهي تعبّر عن معانٍ واضحة مباشرة، ال تعقيد فيها، وهو ما يفسر : الوضوح-4 ،شدة تأثيرها وسعة انتشارها، وهو ما يسهل توظيفها في مختلف السجاالت الفكرية .واستدعاءها عند الحاجة للمحاجة والجدل
املقدمة فهذه المقوالت ال تقدم باطالً محضاً يتفق الجميع على : اإلجمال وااللتباس-5 رفضه، وإنما يُمرّر الباطل من خاللها بطريقة هادئة غير مصادمة، تحت قشرة من الحق .المقبول، وهو ما يفسر عدم تفطّ ن كثير من الناس ألوجه اإلشكال فيها والخالصة أن الخيط الناظم الذي ينتظم هذه المقوالت جميعاً مع تفاوت ما ،عموم تأثيرها، مع سهولة عبارتها، وامتالكها حجةً واضحة :بينها قرباً وبُعداً من الحق في قالبٍ ملبس مختصر، وهو ما ينتج في كثير من األحيان آثاراً فكرية تصادم بعض .قطعيات الشريعة والمالحظ في هذه المقوالت أنها تتمدد في مجاالت مختلفة، ويتنوّع تأثيرها :السلبي ليشمل . العبث بمصادر التلقي ومناهج االستدالل-1 . رفض أو إنكار بعض األصول واألحكام الشرعية المحكمة-2 قبول مفاهيم معاصرة مصادمة لقطعيات الشريعة، وقد تبحث لها عن-3 .مستندات شرعية مناسبة . التهوين من االلتزام بأحكام الشريعة، وهزّ الثقة بكمالها، أو إضعاف اليقين بها-4 والمشكلة الكبرى التي يخلفها التأثير في هذه المجاالت، إضافة إلى ما تحدثه من انحراف مفاهيمي؛ أنها توقع المسلم في حبائل التفريط في جنب الله، وتنزع عنه الشعور بخطأ ما وقع فيه، بل تعطيه شعوراً زائفاً بأنه على الحق، وهو شعور قد يكون ،أشد خطراً على النفس من المعصية نفسها؛ فوقوع المسلم في الذنب أمر طبيعي فـ: «كل ابن آدم خطاء»، لكن شعور الخطأ هو ما يحمل المسلم على التوبة: «وخير .»الخطائين التوابون
املقدمة فالمصيبة حين تتعطل بوصلة المسلم اإليمانية ويفتقد الشعور بأنه واقع في دوائر الهوى، وتعظم المصيبة حين تراه يسعى إلى ترتيب إحداثيات المشهد ليوهم نفسه ،بأنه ال يزال في دائرة الحق، وهو ما يعرقل مسيرته في التصحيح والمعالجة والتوبة ّوهذا ما يكشف عن وجه من أوجه خطورة هذه المقوالت، وأن جنس الشبهة أضر على النفس من الشهوة؛ فالشهوة يُتاب منها، أما صاحب الشبهة فتوبته أصعب. ويزيد األمر صعوبة حين تتمازج الشبهة والشهوة، فتُغلَّف بعض شهوات النفوس وأهوائها بشبهات، وهو ما يستدعي لوناً من الصدمة اإليمانية لتعيد للنفس توازنها، ويدرك المرء الفرقَ بين ميوله الشخصية وإمالءات الوحي، وحتى يثمر النقاش العلمي في إزالة داء الشبهة، وبغير هذه المكاشفة اإليمانية يكون النقاش العلمي ضرباً من العبث .وامتهاناً للعلم، ولن يفضي غالباً إلى إحداث األثر المرجو فالحجاج العلمي ليس نافعاً في كل حال، وهو ما رصده القرآن في مواقف ٌ{قُلْ هُوَ لِلَّ ِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّ ِينَ ال يُؤْمِنُونَ فِ آذَانِهِمْ وَقْر :الناظرين فيه، فقال تعالى ]. بل قد يكون بوابةً لمزيد٤٤ :[فصلت }ٍوَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمً أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَ نٍ بَعِيد َ{وَنُنَ ِّلُ مِن :من االنحدار، فال تزيده حجج الحق وبراهينه إال ضالالً، كما قال تعالى :٨]. وقال٢ :[اإلسراء }ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡ َةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِنيَ وَلَ يَزِيدُ ٱلظَّ ٰلِمِنيَ إِلَّ خَسَارٗا {ِإَوذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَ ٰذِهِۦٓ إِيمَ ٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّ ِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَ ٰنٗا }َوَهُمۡ يَسۡ تَبۡشِ ُونَ ٤٢١ وَأَمَّا ٱلَّ ِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَ ٰفِرُون ].. وذلك بسبب أهواء هذه النفوس التي تمنعها من االنتفاع١٢، ٥١٢٤ :[التوبة بالحق، بل قد تتحول علوم القرآن وهداياته عندهم إلى سلم دنيء لحظوظ النفس .الصغيرة بدل أن تكون سالحاً إلظهار الحق والدعوة إليه وإدراك هذا يفسر سبباً من أسباب انحصار خالف أئمة السلف في فروع الشريعة التفصيلية دون أن تمتد إلى أصول اإلسالم، فصفاء النفوس ويقظة اإليمان وحسن
املقدمة ،اإلقبال على الوحي حققت ضمانات دينية من االنزالق لوهدة االنحراف في األصول ولذا ترى أن االختالف في الفروع التفصيلية منشأه غالباً اجتهاد مأجور، أما حين ترى دوائره تحوم على أصول اإلسالم وقطعياته فاعلم أن أهواء النفوس تتدسس من تحت {فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا:أوهام الفكر، وهو ما أعلنه الوحي على نحو حاسم .][القصص: ٠٥ }ْيَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُم ،وألن هذه المقوالت تعتمد بدرجة كبيرة على نمطٍ من الحجة الميسرة المباشرة فإن لها تأثيراً كبيراً جداً في شرائح مجتمعية متنوعة؛ إذ الجميع بمقدوره إدراك أصل الحجة ولو تفاوتوا في إدراك تفصيالتها، وهذا النوع من الحجج عميق األثر، غير أن اعتماده على السهولة والمباشرة ومباعدته عن التفصيل والتركيب والتعقيد قد يوقع في أغالط كثيرة، فيؤثر في المتلقي لسهولته وال يتفطن لمثل هذه األغالط، وهذا ما اتسمت به عامة هذه المقوالت التي نبحثها؛ فهي تستند إلى حجج ميسرة وواضحة ومباشرة، فتنجح في التأثير على قطاعات واسعة من الناس، لكنها تتهاون في ضبط الحجة والتأكد من سالمتها، ويغري تأثيرها الملموس في إذاعاتها وعدم مراعاة .االنضباط االستداللي المطلوب ،وعملية الكشف عن أوجه المغالطة الموجودة ضمن عدد من المقوالت الفاسدة ليس باألمر الصعب، لكنه يستدعي قدراً من دقة النظر، وترك العجلة، وتملك بعض األدوات النقدية التي تمكّ ن صاحبها من وضع اليد على مواضع الخلل منها، فمن :ًتلك األدوات مثال ً فقد تتسم بقدر من اإلجمال، فتدخل في طياتها قدرا: فك إجمال المقولة-1 ،ًمن الحق وقدراً من الباطل، فإطالق القول بقبولها خطأ، كما أن ردها خطأ أيضا بل الموقف السليم هنا في االستفصال الذي يؤدي بصاحبه إلى إدراك مواضع الحق
املقدمة والباطل من المقولة، ويحسن فرزها، ويتخذ موقفاً أكثر رشداً منها، وهو موقف أحظى .أن يكون فيه الصواب كسر سطوة الشهرة واالنتشار: فبعض المقوالت تكتسب قوة زائفة بسبب-2 شهرتها وسعة انتشارها، وقبول كثير من الناس لها، وهو ما يضعف الملكة النقدية عند بعض الناس فيرضخ لضغط هذه المقوالت، ويتوهم أن في تمدّدها مكاناً وزماناً ما يستدعي أن تكون حقاً، والعاقل يدرك أن مجرد االنتشار والشهرة ليست معايير للحق والباطل، بل معيار الحق والباطل في األقوال والمعتقدات ما تقوم عليه من األدلة .والحجج ، إزالة البهرجة اللفظية: فبعض المقوالت تتسم بقدر من الحالوة اللفظية-3 سجعة لطيفة، أو صياغة طريفة، تحمل بعض النفوس على أن يهوى صحتها، وإن من البيان لسحراً، فإذا أزيل مكياج البهرجة اللفظية عن المقولة، وعوملت بصرامة كأفكار .مجردة؛ انكشف في كثير من األحيان وجه الخلل فيها بمجرد ذلك ، الوعي بالمقدمات الفاسدة: فقد تتكئ العبارات على مقدمات غير صحيحة-4 ،وفي زحمة مناقشة المقولة نفسها يغفل بعض الناس عن تلك المقدمات الفاسدة فيناقش المقولة مسلّماً بمقدماتها، وهو ما يُعقِّد التفطن لوجه اإلشكال الحقيقي في المقولة، أو تحمله على ردها بباطل، أو االلتزام بشيء منه لتسليمه بصحة تلك المقدمات. وتمام الدقة في محاكمة المقوالت يستدعي النظر في المقدمات التي انبنت عليها المقولة، وإلى ألفاظ المقولة ذاتها وما تحتويه من معانٍ، وما تفضي إليه .من نتائج وآثار ً التحرر من سجن المقولة: فصياغة المقولة قد تستدعي من صاحبها موقفا-5 ،إما بالموافقة عليها أو رفضها، وهو موقف قد يكون صحيحاً مع جملة من المقوالت