الرئيسية الفهرس المقولة 41
المقولة 41

الغلو نبتة سلفية

الغلو هو نبتة سلفية، أو ظاهرة سلفية، أو منتج سلفي، أو غيرها من عبارات تصاغ للتعبير عن فكرة واحدة، وهي: أن السلفية سبب لظهور الغلو، وهي التي تتحمّل تبعاته وآثاره، وذلك أن الغالة ينتسبون إلى السلفية، ويستدلون بأصول السلفية، ويستندون .إلى رموزها ومقوالتها، وهذا يعني أن المشكلة في السلفية نفسها هذه المقولة كما ترى تستند إلى وجود عالقة بين (الغلو) و(السلفية). وهذه .العالقة تتجلى في انتساب غالة إلى السلفية، واستداللهم بأدبيات سلفية حسناً، دعونا نحدث تغييراً يسيراً في هذه المقارنة، فنضع اإلسالم هنا بدالً من :السلفية، ونتأمل في طبيعة النتائج إن الغالة ينتسبون إلى اإلسالم، ويستدلون بأصوله لغلوهم، فيبرهنون على صحة أفعالهم بأدلة الكتاب والسنة، وينسبون هذا كله إلى تراث المسلمين، وأقاويل !الصحابة، فالغلو بناء على هذا نبتة إسالمية والربط بين اإلسالم والغلو ليس ربطاً حجاجياً إلزامياً فقط، بل له حضور كبير في األوساط اإلعالمية والثقافية المعاصرة، فكثير من وسائل اإلعالم الغربية هي بين مصرح بهذا الربط، أو مضمر له، وهي تنطلق من التسليم بأن هناك عالقة بين الغلو واإلسالم بناءً على ما يرونه من انتساب بعض الغالة إلى اإلسالم، واستنادهم إلى .نصوصه وأحكامه

،فحقيقة األمر أن من يجعل انتساب الغالة إلى السلفية، واستداللهم بها وبأدبياتها إلى اإلسالم، ويقع في ذات الخلل العلمي والغلط المنهجي وتجاوز العدل واإلنصاف .الذي يقع فيه من ينسب الغلو إلى اإلسالم ولهذا، لو جرب من يربط بين الغلو والسلفية أن يرد على من يربط بين اإلسالم .والغلو سيجد أنه يقدم أدلة ترد على مقارنته الساذجة والسطحية بين الغلو والسلفية فهو يقول: وجود غالة ينتمون إلى اإلسالم ال يعني أن الغلو متعلق باإلسالم .نفسه .ًوأن استدالل الغالة باإلسالم ال يعني أن هذه األفعال يقرها اإلسالم فعال فهذه الردود تسير كما ترى على طريقة موضوعية صحيحة في بيان فساد ربط الغلو باإلسالم، وأنه ربط جاهل ساذج قاصر، مبني على تحيز وظلم وبغي، لكنها في الحقيقة تمثل ذات الطريقة التي تكشف أن ربط الغلو بالسلفية هو كذلك ربط جاهل .وساذج ومبني على تحيز وظلم وبغي إذاً، فربط الغلو بالسلفية بناءً على وجود غالة ينتمون إلى السلفية، ويستدلون بمقوالتها، ويقرؤون كتبها، ويثنون على علمائها؛ طريقة ساذجة سطحية هزيلة، ال يليق بمن يحترم البحث الموضوعي ويعظم الحكم العلمي العادل أن يتفوه بها، ألن .فسادها ظاهر بأدنى نظر عقلي فمشكلة من يربط بين الغلو والسلفية أنه عاجز عن التمييز بين المقوالت واألفكار ،واألشخاص، فإذا رأى أن الغالة يستدلون بمنهج سلفي، ويكررون مقوالت ابن تيمية ويستندون إلى قواعد سلفية معروفة، قال مباشرة: إذاً هذه فكرة سلفية، ويجب أن نعيد !تصحيح السلفية حتى ال تنتج الغلو

،فمنشأ الخلل دخل عليهم من عدم قدرتهم على التمييز بين األصول نفسها وحدود عملها، وبين توظيف الغالة لها. وكان الواجب عليهم أن يرجعوا ألهل العلم حتى يميزوا لهم الحد الشرعي المعتبر، والتجاوز الغالي الذي وقع، لكنهم بدالً من .ذلك استندوا إلى قصورهم العلمي، فانطلقوا منه للطعن في السلفية ذاتها مقوالت سلفية صحيحة هي من الغلو نفسه، فإن كانت محل إجماع تكون دليالً على ،وجود غلو متفق عليه، وإن كانت محل خالف تنسب المقولة الغالية إلى أصحابها ثم ينظر في هذه المقولة: هل هو غلو قطعي، أم مخالفة اجتهادية؟ وهل هي من قبيل الزلة والغلط الفردي، أم هي تمثل منهجاً عاماً؟ ثم تنظر فيما يمكن أن يساء فهمه من مقوالت ومدى حضورها عندهم، وهل وجدت عندهم ضمانات تدفع هذا الوهم .الفاسد هذه هي الطريقة الصحيحة إلثبات وجود غلو في المنهج السلفي أو في أي على- ولو بال وعي- نعم، بعض القائلين بهذا قدموا شيئاً من ذلك، فحكموا بعض النصوص الشرعية بأنها من قبيل الغلو، كما حاربوا جملة من األحكام الشرعية بذريعة الغلو، وحكموا على اجتهادات فقهية معتبرة بالغلو، وهكذا وقعوا في مصادمة مع أحكام ونصوص إلثبات وجود الغلو، ففي سبيل إثبات وجود غلو في المنهج !السلفي أظهروا أن مشكلتهم ليست مع الغلو، بل مع النصوص ذاتها وأما أكثر القائلين فإنهم ال يقدمون شيئاً من ذلك أصالً، وإنما يكتفون بذكر .العالقة الساذجة بين الغالة والسلفية

وثم قلة من الناقدين تذكر بعض المقوالت وتستشكل بعض العبارات التي تراها دليالً على الغلو، وليس المقام لبيانها ومناقشتها، وإنما نقرر هنا أن هذه طريقة ًصحيحة في إثبات العالقة، وهي أن تذكر المقوالت التي ترى أنها تتضمن غلواً معينا وتضع نقدك عليها بحسب حجم المخالفة- عند مذهب أو مدرسة أو عالم معين- التي وقعت فيها، ويكون بيان ذلك بعلم وعدل.. هذا المستوى من الخطاب هو الذي يستحق أن يجاب عنه، ألنه يتحدث بطريقة قد تظهر وجود عالقة، فال بد من أن يناقش .بعلم وعدل فيما يذكر ،وأنت إذا تدبرت كثيراً مما تُتهم به السلفية، ويُجعل أمارةً وداللة على غلوها وجدته أمراً شائعاً عند عامة فقهاء اإلسالم في القديم والحديث، فإن كثيراً مما ينقم على السلفية هو مقرر في المذاهب الفقهية، فالحكم على األقوال السلفية في حد الردة، وتحريم االختالط، وتكفير النصارى، وغير ذلك، بأنها أدلة على وجود غلو ،عندهم؛ ينجر على غيرهم مما يتوهم المخاصم أنهم خارجون عن هذا الحكم فإن القول بهذه األمور مثالً ليس خصيصة سلفية كما يتوهمه المخالف، بل هو أمر ًشائع جداً في التراث اإلسالمي، وهو يمثل في عامة موارده مناطق إجماع، أو مذهبا .للجمهور فمن المهم أن يالحظ أن كثيراً من االنتقادات على السلفية بسبب الغلو تنسبهم إلى الغلو بأفعالٍ ليست مختصة بهم، بل هي موجودة في التراث الشرعي والفقهي نفسه، ولذلك تجد أن النقد العلماني كان أكثر اتساقاً في هذا، فهم ال يخصون نقدهم ،لفصيل فقهي معين، بل يتهمون السياق الفقهي كله بهذه التهمة، وما أدركوه في محله وسيبقى النزاع معهم في تحقيق هذه التهمة، هل هي تهمة، أم هو الحق الذي يتعين األخذ به؟ فنزاعنا معهم ليس في نسبة هذه المقولة للتراث الفقهي، وإنما المنازعة في .حقيقة هذه المقولة، وعالقتها بالغلو

،والخالصة التي يجب أن نراعيها في نقد األشخاص واالتجاهات والطوائف االنطالق في نقدها من مقوالتها، وما تفرزه تلك المقوالت، ويلزم عنها، وفي حجم وجود الضمانات التي تحفظ لتلك المقوالت انضباطها الشرعي فتصونها من التطرف والغلو، وفرز ذلك كله من الممارسات البشرية التي هي عرضة للخطأ والزلل والتقصير، فاألصل أن ال تحاسب االتجاهات والمذاهب بمجرد ممارسات ،أصحابها، بل األصل محاسبة االتجاهات مما تتبنّاه من رؤى وأفكار وتصورات ولتكن الممارسات البشرية قرينة أو أمارة تحمل الباحث على التفتيش عن موجب تلك ،التصرفات، فقد تكون تلك الممارسات ناشئة حقاً عن مقوالت مقررة في المذهب .وقد ال تكون، فيكون الحكم تابعاً للمقوالت، ال مجرد الممارسات والتصرفات

← السابق 40 - الإيمان في القلب