يبدي البعض تشككاً في حفظ السنة النبوية بذريعة أنها لم تدون إال متأخراً بعد زمنه بقرون على يد البخاري وغيره، وقد يُعظّ م بعضهم من هذه الشبهة باستحضار نهي النبي بحسب- ً، وهو ما يفتح الباب واسعا عن كتابة سنته، ليؤكد تأخر تدوينها عن زمنه أن يدخلوا في سنته ما شاؤوا، وحين جاءت لحظة التدوين كان للكَ ذَبَة عليه- دعواه .كثير من تلك األحاديث المختلقة قد دخلت على النقلة، بال فحص أو تمحيص والحق أن هذا التصور يحمل ركاماً من المغالطات العلمية، خصوصاً في تصور تاريخ تدوين السنة النبوية، ومعرفة حال علوم الحديث والرجال، إذ يتوهم كثير من الناس أن تدوين السنة إنما ابتدأ مع البخاري مثالً، وقد يرتفع بعضهم فيزعم أنه ابتدأ قبله مع مالك في موطئه، وهذه مشكلة عميقة تكشف عن حجم سطحية النقد الذي .يحمل كثيراً من الناس للتشكّ ك في حقيقة حفظ السنة النبوية وقبل الخوض تفصيالً في بعض جوانب هذا الموضوع، يجب االنطالق من تقرير محفوظ، إذ ما تحتاج إليه عقدي يصطحب اإليمان بأن ما تحتاج إليه األمة من سنته ،األمة في إقامة دينها يجب أن يكون محفوظاً، وهو ما تفضل الله على هذه األمة به .][الحجر: ٩ }َ{إنَّا نَ ْنُ نَزَّلْ َا اذلِّكْرَ وَإنَّا لَ ُ لَـحَافِظُ ون :ومن أدلته القرآنية قوله تعالى فالذكر هنا أشمل من أن يكون مختصاً بالقرآن وحده، بل يشتمل على كل ما أنزله الله .تعالى على عبده من الذكر ولو سلمنا أن اآلية ال تشتمل على السنة، وأن الذكر فيها مختص بالقرآن فيكون الحفظ منصرفاً إليه، فهذا ال ينفي حفظ السنة هنا، إذ السنة مبيّنة للقرآن، ومن كرم الله
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ ٍولطفه بعباده أن حفظ لهم ما به بيان القرآن، فما يُحتاج إليه في فهم القرآن من لغة وحديثٍ محفوظ؛ ألن المقصود بحفظ القرآن قيام الحجة، وال تقوم الحجة على من بلغه القرآن وهو غير متمكن من فهمه ومعرفة معانيه، وهذه المعرفة لن تكمل من دون .، فالتكفل بحفظ القرآن يتضمن حفظ ما يبيّن القرآن وهو السنة معرفة سنة النبي ،ًفإذا كان الله قد أمرنا بإقامة الصالة وأداء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت مثال وجاءت مجملة في القرآن، وتفصيلها إنما وردنا عن طريق السنة؛ فالزم حفظ القرآن أن تحفظ تفصيالت السنة مما يتصل بها، وهو أمر بيّن واضح يغني عن االستطراد في .شرحه وتفصيله وسينكشف تفصيالً بإذن الله ما يسَّ ره الله تعالى من أسباب حفظ السنة على يد ،علماء الحديث، الذين قاموا بتوفيق الله لهم بأداء واجب رواية الحديث وضبطها وصيانتها، وحفظها، بل تجاوز األمر إلى ضبط الكذب والخطأ في الرواية، سعياً إلى . ومن تأمل في تاريخ النقل عند األمم والشعوب مزيد من التحوط لصحيح حديثه ، لن يجد جهداً يقارب أو يداني الجهد الموجود في هذه األمة في حفظ سنة نبيها فمفخرة العلوم اإلسالمية هي علوم الرواية والنقل، وهو ما يمكن أن يدركه من عايش هذه العلوم وخبرها، فاألمر يرجع إلى ذوق متحصل من المعرفة والعلم، فمن لم يقف على هذه المعارف والعلوم سيكون عاجزاً عن تمام إدراك هذه المعاني فضالً عن .تذوق لذتها، وهو ما سنحاول أن نشير إلى طرف منه إن شاء الله لكن قبل بيان شيء من هذا التفاصيل يحسن استعراض ما يتعلق بشبهة نهي النبي : قال أن رسول الله عن كتابة حديثه، حيث صح من حديث أبي سعيد الخدري . وهي(((»«ال تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمْحه، وحدثوا عني، وال حرج :شبهة يُتعلق بها لتقرير أمرين . أخرجه مسلم(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ عن كتابتها، بل األول: أن السنة ليست بحجة، إذ لو كانت كذلك لما نهى النبي ،ألمر بذلك. وليس لنا غرض في رد هذه الشبهة فقد سبق بحث ما يتعلق بحجية السنة لكن من الطريف أن يستدل المرء بدليل ليلغي حجيته، فهو يقول الدليل على أن السنة !ليست بحجة هي السنة نفسها، فهل السنة المستدل بها أوالً حجة أم ليست بحجة؟ الثاني: أن السنة غير محفوظة، إذ إن كتابتها تأخرت كثيراً عن زمانه، بعد أن دخل .في السنة ما دخل من الكذب والذي يحل هذه الشبهة هو في تجنب القراءة االنتقائية للسنة، وجمع ما ورد عن ، أحاديث تفيد الترخيص بل األمر بكتابة سنته في شأنها، فقد ورد عن النبي النبي ٍومن تلك األحاديث مثالً: أن رجالً من أهل اليمن يقال له أبو شاه، قام في أثناء خطبة .(((»: «اكتبوا ألبي شاه فقال: اكتبوا لي يا رسول الله. فقال رسول الله للنبي قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أريد حفظه، فنهتني قريشٌ ، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله رسول الله بشرٌ يتكلم في الغضب والرضا. فأمسكتُ عن الكتاب. فذكرت ذلك لرسول الله .(((» فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إال حق أمر بكتابة حديثه، فكيف فهذه أحاديث صحيحة صريحة تكشف أن النبي يجمع بينها وبين ما جاء من النهي عن الكتابة؟ :اختلف أهل العلم في ذلك على اتجاهات، أهمها حيث رجح طائفة من أهل العلم أحاديث الترخيص بالكتابة لكثرتها: الترجيح-1 .وشهرتها وقوتها مقارنة بأحاديث النهي عن الكتابة . متفق عليه((( . أخرجه أبو داود، وأحمد. وصححه أحمد شاكر، واأللباني(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ حيث حكم بعض أهل العلم على أحاديث النهي عن الكتابة: القول بالنسخ-2 بأنها منسوخة بأحاديث األمر بها، وإنما كان النهي في أول األمر خشية من اختالط .السنة بالقرآن، فلما زال المحذور وانضبط نص القرآن رخص في كتابة السنة كقول بعض أهل العلم: إن، أن النهي يتناول مواضع غير مواضع الرخصة-3 النهي عن كتابة السنة والقرآن في صحيفة واحدة خشية من اختالطهما، أو أن النهي عن كتابة السنة هو خاص في وقت نزول القرآن خشية من التباسه بالقرآن، أو أن النهي .هو في حَ قّ من يُوثق بحفظه، وَيُخَ اف اتِّكَ اله على الكتابة إذا كتب، وقيل غير ذلك والذي يهمنا إدراك أنه قد استقر اإلجماع على مشروعية كتابة السنة من غير خالف بين أهل العلم، يقول اإلمام المحدث الكبير أبو عمرو ابن الصالح: «ثم إنه .(((»زال ذلك الخالف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته ومن الطريف جداً أن يستند من ال يؤمن بحفظ السنة إلى حديثٍ ليدلل من خالله على عدم حفظها، فهل مثل هذا الحديث محفوظ أم ال؟! فإنه قد جاء من ذات الطرق التي يشك في قدرتها على حفظ الحديث، أم أنه قد تحصل عليها من طريق كشفٍ أو !إلهام أو منام نفضي اآلن إلى معالجة شبهة تأخر تدوين السنة النبوية كذريعة للتشكيك في .حفظها بما يؤثر سلباً بطبيعة الحال في مسألة االحتجاج بها وحقيقة هذه الشبهة مبنية على تصور ساذج متعجل لوجود انقطاع ممتد إلى قرنين حتى ظهور مدونات السنة الشهيرة كالبخاري ومسلم من الزمان، من زمن النبي والسنن وغيرها، وأنه في زمن هذا االنقطاع تراكمت المرويات الشفهية الباطلة التي .وجدت طريقها إلى تلك المدونات الشهيرة .)138 علوم الحديث البن الصالح (ص(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ :والذي ينقض هذه الدعوى هو حُ سن التصور ألمرين مهمين من زمانه حتى ظهور كتب السنة المعتمدة عند طبيعة نقل سنته:األمر األول .األمة، حيث توافر لسنته طريقان من الحفظ: حفظ الصدور، وحفظ السطور ، ومعرفة قواعد التحمل طرائق أهل العلم في التوثق من سنته:األمر الثاني .واألداء، وما عاناه أهل العلم من ضبط قواعد علوم الحديث والرجال في حياة وتحقيق هذين األمرين يكمن في استعراض تاريخي لواقع نقل سنته األمة، وهو أمر يصعب استعراضه مفصالً هنا، لكن سنقوم بتقسيم ذلك إلى حقب :(((متوالية، ونضمّن كل حقبة إشارات مختصرة جداً تكشف عن المطلوب : واقع حفظ السنة في زمنه : في أمور متعددة، من ذلك تتجلى مظاهر العناية بالسنة النبوية في زمانه من جهة انتقاء ألفاظه، وطريقة أدائه، فقد صح عن عائشة أن طبيعة كالمه- . وقالت: «ما كان رسول الله((( كان يحدث حديثاً لو عده العاد ألحصاه النبي .(((»يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكالم يبيّنه، فصل، يحفظه من جلس إليه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثالثاً حتى تفهم أنه قال: «إن النبي وجاء عن أنس .(((»عنه ويمكن االستفادة بشكل أوسع مما كتبه الدكتور محمد مصطفى األعظمي في كتابه (دراسات((( ،)في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه)، والدكتور محمد عجاج الخطيب في (السنة قبل التدوين .)والشيخ أحمد السيد في (تثبيت حجية السنة النبوية . متفق عليه((( . أخرجه الترمذي، وأحمد. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ال نعرفه إال من حديث الزهري((( .وحسن األلباني وشعيب األرناؤوط إسناده . أخرجه البخاري(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ ً وبالغته، كان في ذلك سبباً مضاعفا فإذا انضاف إلى ذلك ما علم من فصاحته ،لحفظ كالمه، كيف وهو مع بالغته يتجنّب في كالمه وحشي كالم العرب وبعيده : «إن الله عز وجل يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بل يذم من يستعمله، قال .(((»بلسانه تخلل البقرة بلسانها .((( ودعوته لنقل أحاديثه، والدعاء لمن فعل ذلك بنضرة الوجه تشجيعه- وحين وفد عليه بنو عبد القيس حدثهم بكالم ثم أمرهم بحفظه وإخبار من وراءهم .(((به إظهاره الحفاوة بمن كان معتنياً بحديثه من صحابته، كما جرى ألبي هريرة- : «لقد ظننت حين سأله عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة؟ فقال له النبي يا أبا هريرة أن ال يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أولَ منك، لما رأيت من حرصك . فقد كان يالحظ أحوال صحابته، ومن كان حريصاً منهم على(((»على الحديث .ضبط حديثه، وحفظه لبعض صحابته بالحفظ المتقن، ومما اشتهر في هذا دعاء النبي دعاء النبي- أن رُزق حافظة عجيبة، فلم يستودعها شيئاً من ألبي هريرة، فكان من بركة دعائه . ونسيه حديث رسول الله : أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد. قال البخاري: أرجو أن يكون محفوظاً. وقال الترمذي((( ،حسن غريب من هذا الوجه. وجوّد إسناده ابن مفلح في اآلداب الشرعية. وصححه أحمد شاكر .واأللباني أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وصححه((( .األلباني . متفق عليه((( . أخرجه البخاري(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ بكتابة سنته، ومما يشهد له ما جاء في شأن أبي شاه، وأمره لعبد الله عنايته- .بن عمرو بالكتابة بعدما امتنع عن ذلك، وغير ذلك لسنته وصيانتها من الدخيل، وتحذيره من الكذب عليه كما جاء تحوط النبي- : «إن كذباً علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي في أشهر خبر متواتر عنه .(((»متعمداً فليتبوأ مقعده من النار وبعد زمانه، وهو وتواتُر هذا الخبر يكشف عن شدة انتشار هذا الخبر في زمنه خشيةً من الوقوع في ما حمل كثيراً من الصحابة على عظيم التحوط في الرواية عنه .الخطأ في الرواية فينالهم شيء من هذا الوعيد بشأن التشريع، فهي مستودع لألحكام الشرعية، وأمر التدين ارتباط سنته- مرتبط ارتباطاً عضوياً بها، وهو ما يعد من أكبر المحفزات لحفظها وضبطها وفرز ما .يصح منها وما ال يصح، إذ في حفظها حفظ الدين الخاصة في بيته مكشوفةً لعدد ، وهو ما يجعل حياة النبي تعدد زواجاته- ِ َّ {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَ فِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الل:كبير من النساء، وهو معنى يتضمنه قوله تعالى ]. وواقع روايات أمهات المؤمنين٣٤ :[األحزاب }وَالْـحِكْمَةِ إنَّ اللَّ َ كَ نَ لَطِيفًا خَبِريًا . يؤكد هذا لشأن النبي ، في مدة ال بأس بها من دعوته، وتكاثر األصحاب حوله استقرار أمر النبي- وظهور أمره في آخر حياته على جزيرة العرب؛ كله سيسهم إيجاباً في معرفة كثير من ،أحواله وأقواله وأفعاله، فشتان بين نقل أحوال رجل مطارد، يتنقل سرّاً هنا وهناك . وبين رجل أمره ظاهر، ودعوته مستقرة، وحوله آالفٌ من الرجال، وهو ما تحقق له . متفق عليه(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ :واقع حفظ السنة في زمن الصحابة : زمن الصحابة في جملة من األمور، من ذلك تتجلى مظاهر العناية بسنة النبي ، وشأن المحب أن معرفة ما كان عليه الصحابة من شديد المحبة للنبي- ، حتى يعتني بأحوال محبوبه، وهو ما تجلى في كمّ المروي من دقائق أحوال النبي ، بجميع تفاصيلها موضعاً للرواية والنقل، فنقلوا حتى سكتاته صارت شخصيته . وكانوا يلحظون اضطراب لحيته(((بل فصّ لوا في وصفها فقالوا: فسكت هنية . بل تأمل رصدهم لدقيق شأنه((( من الشيب . وأحصوا ما في لحيته(((بالقراءة .. فتأمل كيف(((ًفي حجه مثالً حتى نقل أحد الرواة عنه أنه بال ثم توضأ وضوءاً خفيفا . حينئذ مع عدم اتصال حكم ظاهر به، ثم وصفه لطبيعة وضوئه نقل شأن بوله حتى صارت سنته وسيرته وهكذا نقلت لنا صورة شديدة التفصيل عن النبي .محطّ ة مطولةً من محطات التاريخ على نحو لم يقربه فيها رجل آخر ، وشدة حرصهم على الخير، سيشكّ ل باعثاً من أعظم عظم ديانة الصحابة- وحفظها؛ الرتباط مصالحهم الدنيوية البواعث على الحرص لتتبع سنة النبي .ونجاتهم األخروية بها في دعوتهم واحتسابهم، وحرصهم على استعمال الصحابة حديث النبي- ً صيانةً لها، وإنكارا إشاعته بين الناس، وتشددهم مع من يبدي أدنى معارضة لحديثه للمنكر، فمن ذلك ما جاء عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت يقول: «ال تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها». قال: فقال بالل رسول الله . أخرجه البخاري((( . أخرجه البخاري((( . أخرجه مسلم((( . متفق عليه(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سباً سيئاً، ما سمعته سبه .((( وتقول والله لنمنعهن مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله ،وعن أبي قتادة قال: كنا عند عمران بن حصين في رهطٍ منا وفينا بشير بن كعب : «الحياء خيرٌ كله»، أو قال: «الحياء كله فحدثنا عمران يومئذ قال: قال رسول الله ًخيرٌ». فقال بشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينةً ووقارا لله، ومنه ضعفٌ . قال: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه، وقال: أال أراني أحدثك عن وتعارض فيه! قال: فأعاد عمران الحديث. قال: فأعاد بشيرٌ. فغضب رسول الله .(((عمران. قال: فما زلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيدٍ إنه ال بأس به وعن سعيد بن جبير أن قريباً لعبد الله بن مغفلٍ خذف، فنهاه وقال: إن رسول نهى عن الخذف وقال: «إنها ال تصيد صيداً، وال تنكأ عدواً، ولكنها تكسر الله نهى عنه ثم تخذف، ال السن وتفقأ العين». قال: فعاد. فقال: أحدثك أن رسول الله .(((ًأكلمك أبدا ، خصوصاً ما جرى من صغار سعي الصحابة لتحصيل ما فاتهم من حديثه- ، مع أن ما مثالً، فإنه كان من المكثرين من الرواية عن النبي الصحابة كابن عباس وهو صغير، ومع ذلك فقد مباشرة كان شيئاً قليالً، إذ توفي النبي سمعه من النبي .حرص على تتبّع الروايات عن الصحابة حتى صار من أكثر الصحابة رواية للحديث طلباً لحديثه، كما قال تناوبهم في الجلوس عند رسولِ الله- : «كنت أنا وجار لي من األنصار في بني أمية بن زيد، وهم من عمر بن الخطاب . أخرجه مسلم((( . أخرجه مسلم((( . أخرجه مسلم(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ ، فينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي .(((»جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك ، فعن محمد بن علي بن الحسين ضبط الصحابة الدقيق لما أخذوه عن النبي- : «مثل المنافق مثل قال: قال رسول الله قال: حدث عبيدُ بن عمير عبدَ الله بن عمر الشاة بين الربضين أو بين الغنمين». فقال ابن عمر: ال، إنما قال: كذا وكذا. قال: وكان .((( لم يزد فيه، ولم ينقص منه، ولم يجاوزه، ولم يقصر عنه ابن عمر إذا سمع النبي أحياناً ليطمئنوا السامع إلى ضبطهم لما وكانوا يؤكدون ما سمعوه من النبي . وهذا أبو((( سمعوه، فيقول جابر بن عبد الله: بَصَ رُ عينيَّ ، وسمع أذنيَّ رسول الله .((( يقول: أحَ دِّثك بما سَ مِعَت أذناي، ورأت عيناي برزة وسمع- ووضع إصبعيه على عينيه- : فأشهد بصر عيني هاتين وقال أبو اليسر :، وهو يقول رسول الله- وأشار إلى مناط قلبه- أذني هاتين، ووعاه قلبي هذا .(((ًوساق حديثا ؟ قال: إيْ ورب : أنت سمعتَه من محمد وحين سُ ئِلَ علي بن أبي طالب ،. وقيل له: يا أمير المؤمنين، آللهِ الذي ال إله إال هو(((الكعبة، إيْ ورب الكعبة ؟ فقال: إي، والله الذي ال إله إال هو، حتى لَسَ مِعتَ هذا الحديثَ من رسول الله .(((استحلفه ثالثاً، وهو يحلف له . أخرجه البخاري((( . أخرجه الدارمي((( . أخرجه أحمد((( . أخرجه أحمد((( . أخرجه مسلم((( . أخرجه عبد الله ابن اإلمام أحمد في السنة((( . أخرجه مسلم(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ وكذا قيل ألبي أمامة: أبرأيك قلتَ : هؤالء كالب النار، أو شيء سمعتَه من رسول .ً غيرَ مرة وال اثنتين وال ثالثا ؟ قال: إني لجريءٌ! بل سمعتُه من رسول الله الله .(((ًقال: فعَدَّ مرارا ،وقال عمرو بن ميمون، قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إال أتيته فيه ، فلما كان ذات عشية قال: قال قال: فما سمعته يقول لشيءٍ قط قال رسول الله . قال: فنكس. قال: فنظرت إليه، فهو قائم، محللة أزرار قميصه، قد رسول الله اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه. قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من .(((ذلك، أو شبيهاً بذلك .((( حديثاً، قال: أو كما قال رسول الله إذا حدث عن رسول الله وكان أنس كتابة، ولذا فإن مشروع كتابة السنة ابتدأ في الحرص على ضبط حديثه- حتى توهم الحقيقة على أيديهم، وممن اشتهر بالعناية بذلك عبد الله بن عمرو . وهو خبر يكشف عن روح المنافسة بين الصحابة في(((أبو هريرة أنه أكثر حديثاً منه . حفظ سنته وقد كان لعبد الله بن عمرو صندوق ذو حلق يجمع فيها ما كتبه من حديث .(((. كما كان له صحيفة يعتز بها يلقبها بالصادقة((( النبي . أخرجه أحمد. وصححه شعيب األرناؤوط((( . أخرجه ابن ماجه. وصححه البوصيري، واأللباني((( . أخرجه الدارمي في سننه((( . أخرجه البخاري((( . أخرجه أحمد((( .)373/2( أخرجه ابن سعد في الطبقات(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ ما كان يجري بينهم من كُتب ومراسالت يؤكد شأن كتابة الصحابة لحديثه- ، يكتب كتاباً فيه مقادير الزكاة ، فهذا أبو بكر الصديق تتضمن ذكر بعض حديثه .((( وتفاصيل أحكامها عن رسول الله إلى . وكتب جابر بن سمرة(((ًوكتب عمر إلى أميره بأذربيجان وذكر له حديثا لعمر بن عبيد . وكتب عبد الله بن أبي أوفى(((ًعامر بن سعد بن أبي وقاص حديثا .((( الله بل كان بعضهم يرسل إلى بعض في طلب الحديث، فهذا معاوية يرسل لعائشة ، فترسل له بحديث: «إنه من يعمل بغير طاعة الله يعود يطلبها شيئاً سمعته من النبي .(((»ًحامده من الناس ذاما ، حتى إن بعضهم قد يُحدث ينشئون األسفار في تتبع حديث النبي بل كانوا- وسفره لعبد الله سفرة في طلب حديثٍ واحد، كما جرى من جابر بن عبد الله . وسفره أيضاً لمسلمة بن مخلد بمصر((( بن أنيس إلى الشام في طلب حديث واحد . وقد وقع ذات األمر من أبي أيوب األنصاري(((ليسأله عن حديث واحد ويرجع حيث سافر لعقبة بن عامر بمصر فلما لقيه قال: حدثنا ما سمعته من رسول الله . أخرجه البخاري((( . أخرجه مسلم((( . أخرجه مسلم((( . أخرجه البخاري((( أخرجه الحميدي في مسنده. وقال البوصيري: رجاله ثقات. وقال شعيب األرناؤوط: سنده رجاله((( .ثقات . أخرجه الطبراني في معجمه الكبير((( .)223( أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ في ستر المسلم لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك. فلما حدثه ركب أبو أيوب راحلته . فمبادئ الرحلة في طلب الحديث ابتدأ(((وانصرف عائداً إلى المدينة وما حل رحله . من جيل صحابة النبي تحوط الصحابة في شأن الرواية وتثبّتهم من صحة الروايات، وهو ما يكشف- ، وانتقلت لمن أن أصول التثبت من صحة الرواية وجدت في زمن صحابة النبي ، في حديث االستئذان. وكقول علي بعدهم، كما جرى من عمر بن الخطاب حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله حدثني، وصدق أبو بكر، ثم غيري استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر .((( ذكر حديثاً عن النبي ٍ حرص الصحابة على أداء أمانة الرواية لمن بعدهم، فهذا أحدهم يأتي بماء- . واآلخر يصلي أمامهم مريداً تعليمَهم صالة((( في إناء ليعلّم التابعين وضوء النبي .((( رسول الله ، كما في مقام عام على منبر رسول الله وكان بعضهم يبلِّغ أحاديث النبي .(((» حين روى حديث: «إنما األعمال بالنيات فعل عمر :واقع حفظ السنة في زمن التابعين حرص التابعون على مالزمة الصحابة وجمع أحاديثهم وكتابتها، ومن ذلك أن .)392/1( جامع بيان العلم وفضله البن عبد البر((( أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي. قال ابن عدي: أرجو أن يكون صحيحاً. وحسن إسناده ابن((( .كثير، وابن حجر . أخرجه البخاري((( . أخرجه البخاري((( . أخرجه البخاري(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب كان يقول: كنت أنطلق أنا، ومحمد بن علي أبو جعفر، ومحمد بن الحنفية، إلى جابر بن عبد الله األنصاري فنسأله عن سنن رسول .((( وعن صالته، فنكتب عنه ونتعلم منه الله وهذا أحد سادة التابعين علماً وفقهاً وعبادة عروة بن الزبير يقول: «لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها .(((»إال وقد وعيته فهذا يكشف عن شدة عناية هذه الطبقة باالستفادة من الطبقة السابقة، وهي .استفادة تكشف عن حيوية اإلسناد في هذه األمة، وعدم وقوع انقطاع فيه وقد حرص التابعون على توثيق السنة كتابة، وهو أمر يمكن استكشافه بنماذجه- وصوره تفصيالً في رسالة الدكتور محمد مصطفى األعظمي الشهيرة: (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه)، والتي نال بها درجة الدكتوراة من جامعة كامبريدج ،بامتياز؛ فقد تتبّع فيها أسماء الذين كتبوا الحديث من الصحابة والتابعين وتابعيهم وقام بجهد كبير في هذا التتبع، ووصل إلى نتائج مذهلة: ففي طبقة القرن األول من التابعين رصد ثالثةً وخمسين ممن كتبوا الحديث، أو كتب عنهم، وفي طبقة تابعي القرن الثاني تتبع تسعةً وتسعين تابعياً ممن كتبوا، أو كتب عنهم، وهذا يدل على انتشار كتابة الحديث في زمن التابعين، على خالف ما يدعيه المنكرون. وقد تولى الخليفة االهتمام بقضية تدوين السنة وشجع أهل العلم على التابعي عمر بن عبد العزيز .(((القيام بأدوارهم في هذا .)260/5( الكامل في ضعفاء الرجال البن عدي((( .)424/4( سير أعالم النبالء للذهبي((( . أخرجه البخاري(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ ، ظهور العناية ومن أهم ما يكشف عن عناية التابعين على ضبط سنة النبي- الكبيرة بشأن اإلسناد ومعرفة أحوال الرواة، وفي ذلك قال محمد بن سيرين: لم يكونوا يسألون عن اإلسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة . وكان يقول: إن هذا العلم(((فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فال يؤخذ حديثهم .(((دين فانظروا عمن تأخذون دينكم وقد كان محمد بن سيرين نفسه شديد الحرص والعناية بشأن اإلسناد والتفتيش في أحوال الرواة، قال علي ابن المديني: كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن اإلسناد، وال نعرف أحداً أولَ منه: محمد بن سيرين، ثم كان أيوب وابن عون، ثم كان .((( شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن :حفظ السنة في زمن أتباع التابعين قائماً، واستمر احتفاء األئمة باإلسناد لم استمرت العناية برواية حديث النبي ينقطع، ورحم الله ابن المبارك الذي قال: اإلسناد من الدين، ولوال اإلسناد لقال من .شاء ما شاء وتميزت هذه الحقبة بكتابة المصنفات في جمع السنة، فمع وجود الكتابة في زمن ، إال أنها لم تكن على نحو مصنف مرتب، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة النبي فقط، أما في هذه الطبقة فصار االهتمام بالتصنيف المرتب والمبوب، وهو مظهر يؤكد ، وأنه أمر مبكر، ويدفع توهمات من يظن أن األمر ابتدأ شدة العناية بسنة النبي بالبخاري أو مسلم، فممن صنف من أئمة الحديث: ابن جريج، واألوزاعي، ومحمد . أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح((( . أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح((( .)355/1( شرح علل الترمذي البن رجب(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ بن إسحاق، ومَعْمر بن راشد األزدي، وسعيد بن أبي عَرَوبة، ويحيى بن زكريا بن أبي ،زائدة، وسفيان بن عيينة، والربيع بن صبيح، وجرير بن عبد الحميد، وابن المبارك .(((ًومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغيرهم رحمهم الله جميعا :زمن اتساع دائرة التأليف والتصنيف ًتعدُّ هذه المرحلة والممتدة من القرن الثاني حتى القرن الثالث الهجري مرحلة ذهبيةً في جمع السنة النبوية، حيث ظهر علماء أفذاذ عندهم من التمكن والدراية .بالحديث واألسانيد والعلل والرجال ما تفاخر به هذه المرحلة ،فقد اجتمع في هذه المرحلة أئمة كبار: كيحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي ،وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داود والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وجماعة كبيرة جداً من ًالمحدثين. وتطورت عملية التصنيف لتظهر أنواع جديدة من التأليف، فالبخاري مثال سعى إلى جمع األحاديث التي هي في الذروة العليا من الصحة، ليتبعه غيره كاإلمام مسلم عليه رحمة الله، ثم ظهرت كتب السنن وغيرها، والتي قصد أصحابها جمع .األحاديث وفق تبويبات لها منهجيتها الخاصة والحقيقة التي ينبغي إدراكها هنا أن األحاديث المضمنة في هذه الكتب لم تظهر في هذه الحقبة فجأة كما قد يتوهمه بعض الناس، بل وقعت ألصحابها متصلة اإلسناد بمن فوقهم حتى تصل إلى الجناب النبوي، في جهد علمي تراكمي، يعتمد فيه المتأخر جهد المتقدم ويبني عليه، في سلسلة علمية لم تنقطع، بل إن كثيراً من األحاديث الموجودة في هذه الكتب هي في الحقيقة انتخابٌ من كتب من فوقهم، حيث وقعت هذه الكتب لهم متصلة اإلسناد مشافهةً، فسمعوا أحاديثها حديثاً حديثاً ممن حدثهم .)343-341 /1( انظر: شرح علل الترمذي البن رجب(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ ،ًبهذا الكتاب، والذي بدوره سمعها ممن فوقه، فوقعت لهم هذه الكتب سماعاً وكتابة وهو ما يزيدنا اطمئناناً ووثوقاً بصحة ما نقلوا ودقته، فإذا عقدنا المقارنة بين الفرع (الكتاب الناقل) واألصل (الكتاب المنقول) ونظرنا في تلك األحاديث، تضاعف اطمئناننا إلى عظيم الدقة العلمية التي أحكمها أئمة اإلسالم في الرواية، وتبدد كل مظهر لذاك الوهم السخيف الكاذب: وهو أن عمل أئمة الحديث مستأنف في هذه .الحقبة، وأنه منقطع الصلة عمن فوقه ،فهذا اإلمام البخاري مثالً يروي بإسناده حديثاً فيقول: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه، واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: إن ناساً يقولون إذا قعدت على حاجتك فال تستقبل القبلة وال بيت المقدس. فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يوماً على ظهر : «على لبنتين، مستقبالً بيت المقدس لحاجته». وقال بيت لنا، فرأيت رسول الله لعلك من الذين يصلون على أوراكهم؟ فقلت: ال أدري والله. قال مالك: يعني الذي .(((يصلي وال يرتفع عن األرض، يسجد وهو الصق باألرض فهذا حديث كما تراه يرويه البخاري من أحاديث الموطأ متصل اإلسناد إلى ، بل ينقل البخاري كالم مالك، وهو متصل من طريق مالك في الموطأ إلى النبي مالك من الموطأ لنطمئن تماماً على أن الحديث المنقول هو من الموطأ حقاً، وهو .الواقع بمراجعة الموطأ، فيظهر لنا الحديث بالتعليق حرفاً بحرف والمقصود أننا أمام ظاهرة علمية تراكمية اندمج فيها الجهد العلمي السابق في ،الالحق عبر أداة اإلسناد، وحدثت فيه عملية ابتالع علمي ممنهج لصُ حُ فِ الصحابة ونُسُ خِ التابعين، ومُصَ نّفَات تابعي التابعين، لتأخذ أحاديثهم مواضعها من مصنفات . أخرجه البخاري(((
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ األئمة المتأخرين عنهم، فما تضمنته هذه المصنفات من الحديث ليست أحاديث جديدة اكتشفت في لحظة علمية متأخرة، وإنما هي انتخاب دقيق من مدونات حديثية .سابقة، ساعد على تشكّ لها وتضمينها تقاليد رواية الكتب باألسانيد ثم إنه تشكلت أيضاً على ضفاف اإلسناد والمتن علوم مساندة، تسعى إلى ضبط كل صغيرة وكبيرة تتعلق بهما، فانتشر التأليف في تواريخ الرجال، ورواة الحديث، والجرح والتعديل، وعلوم المصطلح، والعلل والسؤاالت، إضافة إلى غريب الحديث، وشروح .كتب السنة، والتخريج، والمستخرجات، والمستدركات، وغير ذلك .فقد جمع البخاري كتاباً كبيراً في رواة الحديث قبل أن يجمع كتابه الصحيح ودوّن أصحاب اإلمام أحمد وابن معين وابن المديني كالم أئمتهم في الرجال والعلل َوالتصحيح والتضعيف في كتب متعددة سميت بالمسائل. وصنف ابن أبي حاتم كتاب الجرح والتعديل، ومسلمٌ كتابَ التمييز ومقدمة الصحيح، والترمذيُّ العللَ ، وأبو داود .رسالةً إلى أهل مكة، وبلغ علم الحديث غاية نضجه، وتمام استوائه ،وهذه حقيقة يصعب على من لم يقرأ في علوم الحديث المتنوعة أن يتصورها فمن أعظم جوانب العبقرية في تاريخ هذه األمة العلمي تلك العلوم الكثيرة التي .أسست لضبط شأن الرواية والتحقق منها والتمكن من فرز صحيح السنة من ضعيفها ويكفي لتذوق طرفٍ من هذا الشأن أن تطالع بعض مختصرات كتب المصطلح ، لتطلع بنفسك على حجم التقسيمات الفنية الدقيقة لفرز مراتب الرواية عن النبي ولتتأكد بنفسك على عبقرية هذا المنهج واتكائه على معطيات عقالنية تحقق أكبر قدر ، وتدرك كمية الجهل والعبثية في دعاوى من الضمانة الممكنة لحفظ سنة النبي الطاعنين في هذه المنهجية، وأن جمهور ما قالوه إنما نشأ من جهل حقيقي بتفاصيل .ٍّهذه العلوم، ال عن شبهات تشكيكية حقيقية ناشئة من بحث وتدقيق وتحر
كيف نقبل احلديث وقد تأخر التدوين؟ وإذا تدبرت ما سبق استعراضه من تاريخ علمي مختصر يكشف عن عناية األمة ، وجدت أنه لم يقم على ركيزة واحدة وهو النقل المكتوب، وإنما تعاضد بسنة النبي معه األخذ من أفواه الرجال، فلم يكن األمر قاصراً عندهم على مجرد االطالع على الكتب واالعتماد عليها، وإنما تزاوج النقل سماعاً مع الضبط كتابةً، وتعاضدَ ضبط . الصدور وضبط السطور لضمان حفظ سنة النبي بل من تأمل واقع الحياة االجتماعية في تلك العصور، وكيف امتزجت كثير من األحوال العلمية بحياة عامة الناس، حتى صار األمهات واآلباء يدفعون بصغارهم ،لتحصيل الحديث، وظهرت الحلقات العلمية التي يقصدها اآلالف في كل مكان وبرزت الرحلة في طلب الحديث، وكيف أسهم هذا الجو العلمي واالجتماعي والتربوي إيجاباً في إشاعة االهتمام بعلوم الحديث بمساراته كافة؛ فسيتأكد من حجم ، وهي قضية يصعب على من لم يقرأ شيئاً من عناية األمة بجميع طبقاتها بسنة النبي تاريخ تلك الحقبة أن يتصورها، أما من قرأ طرفاً ولو يسيراً من ذلك فلن يجد في نفسه .قبوالً للشبهات المشككة والطاعنة في جهود أئمة اإلسالم في صيانة السنة النبوية والخالصة أن الطعن في حفظ السنة بدعوى عدم تدوينها مبكراً دعوى تكشف ،عن جهلٍ شديد بتاريخ الرواية وطبيعتها وما حظيت به من جوانب العناية المختلفة فالتدوين كما رأينا وُجد مبكراً في زمن النبوة، وقد سار يداً بيد مع التلقي الشفهي عبر ، والتي بلغت الغاية في التثبت بوابة اإلسناد، وفق مساعٍ عظيمة لضمان حفظ سنته .والتحوط