من المقوالت الغريبة في المشهد الفقهي المعاصر، المطالبة في مسائل الشريعة باألدلة القطعية دون األدلة الظنية، فإذا ما حكيت إيجاب مسألة أو تحريمها قال لك ،بعضهم: هل فيها دليل قطعي؟ وكأنَّ األحكام الشرعية ال تنبني إال على القطعيات .وأن ما لم يكن بهذه المثابة من األدلة مُطرح الداللة ال يؤخذ به ،وما من شك في أن جعل مناط االلتزام بالنص كونه قطعي الثبوت قطعي الداللة ًقول باطلٌ ، وما يلزم منه لوازم باطلة، إذ دائرة التعبد بمقتضيات النصوص أوسع دائرة من هذا، فالعبد ليس مطالباً بالعمل بما جزم بمراد الله تبارك وتعالى فيه، وإنما هو ًمطالب بالعمل بما اعتقد أو غلب على ظنه أنه مراد له تبارك وتعالى، إن كان عالما مجتهداً فبنظره في مصادر التلقي الشرعية، وإال فباتباع أهل العلم عبر سؤالهم واالختيار .من أقوالهم باجتهاد يصلح من مثله بما يرجو أن يبلغه مراد الله تبارك وتعالى {وَمَا :وقد بيّن الله تبارك وتعالى مرجع االحتكام في حال الخالف فقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا : وقال سبحانه.]١[الشورى: ٠ }ِ َّاخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَ ْءٍ فَحُكْمُهُ إلَ الل ْأَطِيعُوا اللَّ َ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ األَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِ شَ ْءٍ فَرُدُّوهُ إلَ اللَّ ِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُم .][النساء: ٩٥ } ًتُؤْمِنُونَ بِاللَّ ِ وَالْ َوْمِ اآلخِرِ ذَلِكَ خَيْ ٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيل ثم إن الله بيّن لنا أنه أنزل هذا الوحي المحتكم إليه على طبيعة ثنائية، فمن نصوصه ُ {هُوَ الَّ ِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْه:ما هو محكم، ومن نصوصه ما هو متشابه، قال تعالى .] [آل عمران: ٧} ٌآيَاتٌ مُّ ْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات
فالنص الشرعي إما أن يكون قطعياً يقينياً أو يكون ظنياً، والقطعية قد تكون في الثبوت والداللة أو في واحد منهما، والظنية كذلك، والواجب األخذ بالنص، فإذا :كان النص قطعياً في الثبوت والداللة، فاألخذ به متعينٌ واجبٌ والمخالف له- مذمومٌ، فإن خالف مقتضى النص مع عدم اعتقاد قطعيّته فقد يُعذر بالتأول والجهل ونحوه بحسب حاله. أما إن اعتقد قطعية النص ورده ولم يُسلِّم لمقتضاه فكأنه كافح . برد أمره وخبره فيترتب عليه أحكامه وآثاره من الكفر واإلثم ونحوه النبي أما إن كان النص ظنياً فاألخذ به واإلذعان لداللته متعينٌ أيضاً، وال يلغي وصف- الظنية حجيته، وإنما يتعين األخذ به بحسب ما ترجح لقارئه من المعنى، فمتى اعتقد المرء أن النص دالٌّ على كذا فواجب عليه العمل بحسب اعتقاده، فإن اعتقد من النص .معنىً أو غلب على ظنه ثم تركه فقد أخل بأداء واجب التسليم ولحقه الذم وينبغي مالحظة أن ظنية النص تمنع من الحكم على من خالف في ثبوته أو فهمه بأنه تارك للتسليم ضرورةً، بل قد يكون مُسلِّماً للنص بمقتضى فهمه شريطة أن يؤدي ًاالشتراطات الشرعية الصحيحة الموصلة لفهم معتبر من النص، أو سالكاً سبيال .صحيحاً في ترجيح ثبوت النص من عدمه :وفي مفهوم القطع والظن ال بد من إدراك أصلين مهمين أن معيار القطعية والظنية الذي تترتب عليه أحكامهما، هو معيار أهل السنة:األول والجماعة فيهما ال المعايير المبتدعة التي قد توسع داللة الظنية لتدخل في طياتها ،بعض النصوص القطعية، كجعل السنة ظنية كلها، أو رد خبر اآلحاد في مسائل العمل أو االعتقاد مطلقاً، أو ادعاء ظنية الداللة النقلية بإطالق أو نحو ذلك؛ فهذه أقوال باطلة .قائمة على معايير غير صحيحة في تحديد ما هو قطعي وما هو الظني
أن تقسيم القضايا والمسائل وتنويعها إلى قطعي وظني ليس حاسماً في:الثاني كل مسألة بحيث يمكن فرز المسائل جميعاً بضابط قطعي، وكأنَّ بين هذا القسم وذاك حدوداً فاصلة قاطعة، بل األمر يتفاوت في بعضها من عالمٍ آلخر، ومن مسألة ،ألخرى، فمن المسائل ما يكاد أن يكون قطعياً، ومنها ما يتأرجح بين القطعية والظنية فاالجتهاد كما قد يقع في حكم المسألة فقد يقع أيضاً في تصنيف المسألة وإعطائها :الرتبة المناسبة لها، فلدينا إذاً ثالث دوائر من المسائل . مسائل قطعية بال إشكال- .ً مسائل ظنية بال إشكال أيضا- مسائل مشتبهة يختلف في تقدير وزنها الشرعي أهل العلم، ويتردد الناظر فيها- .هل هي ملتحقة بالقطعيات أو الظنيات ووجود مثل هذا التردد في بعض المسائل هل هي قطعية أو ظنية، ال يلغي حقيقة هذه المراتب ذاتها، فإنه كثيراً ما يقع التردد في بعض مفاهيم الشريعة وتقسيماتها إلحاق بعض األفراد بها، فال يكون مثل هذا التردد مبطالً لها، مثل التردد في تعيين ًأفراد (الضروريات والحاجيات والتحسينيات)، فال يصح أن يكون التردد هذا سببا !للقول بأن ال وجود ألحكام ضرورية أو حاجية أو تحسينية وكالتردد في اليسير المعفو عنه، وهو مستعمل بكثرة في عددٍ من المسائل الفقهية في الطهارات واألموال واألشربة وغيرها، فهل يقال: ال يوجد فرق دقيق بين اليسير !والكثير، وبناءً عليه فال وجود لفرقٍ بين القليل والكثير في أي حكمٍ مطلقاً؟ ومثل ذلك التردد في الذرائع الموصلة إلى الحرام، فال يمكن الجزم في كل األحوال بتفريق دقيق بين الغالب المؤثر وما ليس بمؤثر، فهل يعني أنه ال أثر للذرائع !ًفي الشريعة مطلقا
والمراد: أن وجود إشكال في تعيين بعض أفراد المفاهيم والمعايير والضوابط الشرعية، ال يلغي أصل هذه المعايير والضوابط، بل الواجب استفراغ الوسع في بلوغ .المراد الشرعي منها ،وبعد إدراك ما سبق، وأن سلب وصف القطعية ال يلغي حجية الدليل بإطالق وإلغاء حجيته واشتراط القطعية له لوازم وآثار،ًبل الدليل الظني الثابت حجة أيضا :فاسدة، منها إذ إن النص الظني مظنة ، عدم إلزامية الوحي إال في محال اإلجماع القطعي-١ ٌوقوع الخالف غالبًا، وجعل هذا الشرط إللزامية الوحي قول باطل ما قال به عالم قط، يقول ابن حزم: «ولو أن امرأ ال يأخذ إال بما اجتمعت عليه األمة فقط ويترك كل :. ويقول(((»ما اختلفوا فيه مما قد جاءت فيه النصوص لكان فاسقًا بإجماع األمة «وبالجملة فهذا مذهب لم يخلق له معتقد قط، وهو أال يقول القائل بالنص حتى يوافقه اإلجماع، بل قد أصبح اإلجماع على أن قائل هذا القول معتقداً له كافرٌ بال .(((»خالف، لرفضه القول بالنصوص التي ال خالف بين أحد في وجوب طاعتها هدر كثيرٍ من أحكام الشريعة، فإن دائرة األحكام الظنية من أحكام الشريعة-2 واسعة جداً، فإذا جعلت من شرط االحتجاج بالدليل قطعيته لزمك عدم إعمال األدلة .الظنية، وعدم إعمالها مفضٍ الطراح العمل بهذه الدائرة الواسعة من الظنيات ؛ ألنه حين يتعاملً أنه قد يفضي بصاحبه إلى التهاون في األحكام القطعية أيضا-3 مع نصوص الشريعة وأدلتها وهو يشترط عليها أن تكون قطعية، ويطرح من الوحي ما لم يكن بمثل هذه المثابة؛ سيضمحل من قلبه التعظيم الواجب للوحي، والشعور .)280/2( اإلحكام في أصول األحكام البن حزم((( .)376/3( اإلحكام في أصول األحكام(((
بواجب العمل به، ثم ال يلبث أن يقع أسير الهوى، فإذا أقبل على نص سَ هَّلَ على ًنفسه ادعاء بأنه لم يُحصِّ ل القطع بعد، ألن القطع تابع لإليمان، وقد يكون النص مفيدا ،للقطع فعالً، لكن لم تنشط نفسه لبذل النظر الذي يكشف له عن قطعية هذا النص وهذه حال يدركها من تدبر في حال كثير من مشترطي القطعية في األدلة، فتجدهم إن ًكوشفوا بدليل قطعي على خالف آرائهم ادعوا متعجلين بأن الدليل ظني وليس محال .لإللزام الشرعي وقد تزداد المشكلة عند بعض الناس حين يُضيق من دائرة القطعيات فيجعل أي ،مخالفة ولو كانت شاذة قادحةً في القطعية، وأي احتمال ولو كان ضعيفاً جارحاً لها بل قد ال يتورع بعضهم عن التعلق بأدنى شبهة لنزع وصف القطعية عمّا خالف هواه .من األدلة وترى بعض من ابتلع هذا التصور المنحرف من المسلمين يشاهد تحريف دين الله وشريعته وال يتحرك فيه ساكن؛ ألنه بزعمه لم ينكر قطعياً! فكل ما يقوله له شبهة في ثبوت أو داللة! فيؤول األمر إلى إسباغ االحترام على ما كان قطعياً عنده فقط، أما .ما خرج عن هذه الدائرة فال حرمة له وال كرامة وإن سألت: لماذا لم تكن أحكام الشريعة كلها على طبيعة واحدة في القطعية؟ :فالجواب: أن كمال حكمة الله تعالى اقتضت ذلك ألمورٍ منها : الفتنة واالبتالء، وهو ما يظهر من آية اإلحكام والتشابه، حيث قال تعالى- ِ{هُوَ الَّ ِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّ ْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّ ِينَ ف َقُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّ اللَّ ُ وَالرَّاسِخُون .] [آل عمران: ٧} ِفِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُ ٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلَّ أُوْلُوا األَلْ َاب
بعد ذكره لهذه اآلية: «فإذا رأيت الذين يَتَّبِعُونَ ما تشابه منه فأولئك الذين وقال .(((» ْسَ مَّى اللَّهُ فَاحْ ذَرُوهُ م استخراج عبودية االجتهاد من أهل العلم، فإن العالم إذا أفرغ وسعه في تطلب- مراد الله تعالى، كان في جهده هذا عبودية مطلوبة يثيب الله عليها، وفي ذلك يقول : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ النبي .(((»فله أجر تفاوت األحكام بحسب أهميتها وتحقيقها للمصالح ودفعها للمفاسد، فأحكام- الشريعة ليست على درجة واحدة، فمن يشترط القطع يريد أن تكون األحكام كلها على درجة واحدة، وهذا ينافي عموم الشريعة وشمولها، وصالحيتها لكل زمان .ومكان، ومراعاتها مصالح المكلفين في الدنيا واآلخرة والمقصود أن من المقوالت الباطلة الرائجة توهم وجوب بناء األحكام الشرعية على األدلة القطعية، وهو وهم فاسد تكذبه طبيعة األدلة الشرعية ذاتها، وممارسات علماء األمة في القديم والحديث. ونظرة عجلى في المدونة الفقهية تكشف عن حجم الفروع الفقهية المبنية على الظنيات، بل مثار الخالف بين الفقهاء إنما وقع في جمهور .عريض منه على الطبيعة الظنية لكثير من أدلة الشريعة . أخرجه البخاري((( . متفق عليه(((