) الدنيا تغيَّرت13( توظَّ ف هذه المقولة لالعتراض على بعض المقررات الشرعية، بذريعة أن النصوص الشرعية ثابتة والواقع متغير، ولذا ال يمكن أن نجمد على الثابت. وقد يسعى بعضهم إلى مقاربةٍ تظهره بمظهر المعظم للشريعة فهو يتحدث عن حجم استجابة الشريعة لمتغيرات الواقع وتقلباته، فهي ليست مجرد نصوصٍ جامدةٍ صلبةٍ ال تقبل الزحزحة أو التطوير، بل هي تتطور مع تتطور الواقع للتفاعل معه، والذي يؤول في .الحقيقة إلى جعل الواقع حكماً على الوحي :وهذه اإلشكالية تتفاوت في حجم انحرافها بين صور مغالية تدّعي قطيعةً زمانيةً ومكانيةً مع النص بادعاء أن النص الديني إنما- نزل في ظل أوضاع وظروف زمانية ومكانية محددة، فال يصح عزله عن سياقه الزمني والمكاني واستجالبه للتطبيق في حياتنا اليوم، بل الواجب التفاعل مع هذا الواقع .المستجد بعيداً عن ضغط النص وصورٍ أخف ال تظهر المصادمة لمبدأ تطبيق الشريعة في هذا الزمان، وإنما ترى- صعوبة تطبيق بعض األحكام الشرعية في هذا الزمان فتدعو لتجاوزها، وقد تتكئ على .قاعدة: (ال ينكر تغير األحكام بتغير الزمان والمكان) لهدر مثل هذه األحكام الشرعية فمن يوظف هذه المقولة: (الدنيا تغيرت) لرد حكم شرعي، قد يستبطن عدم مناسبة الشريعة كلها للتطبيق، وقد يكون مقصوده االعتراض على مناسبة تطبيق هذا .الحكم الشرعي المعين ال االعتراض على مبدأ تطبيق الشريعة
:ونبدأ بمناقشة الصورة األكثر مغاالة في االعتراض، تحت دعاوى تاريخية النص ،وذلك بالتذكير والتأكيد على سمتين مهمتين من سمات الشريعة، هما: الثبوت .والشمول فمن محكمات الشريعة أنها حاكمة ومهيمنة على الواقع، وهذه الهيمنة تستغرق مجال الزمان والمكان، فهي الشريعة الخاتمة التي ختم الله بها الرساالت، وجعلها للناس هداية حتى قيام الساعة، وجعل فيها من التشريعات واألحكام ما يستغرق . عامة لكل الناس، ومحققة لكل ما يحتاج إليه تفاصيل الحياة، فرسالة النبي وأدنى قراءة للوحي كفيلةٌ بالكشف عن سعة الدالالت في تقرير هذه الحقيقة :الشرعية البدهية الضرورية، حيث بيَّن الوحي انفراد الله تعالى بحق التشريع، وأن الحكم له سبحانه وحده، فادعاء عدم- صالحية زمانٍ أو مكانٍ لحكمه يفضي إلى منازعة الله في حكمه وإعطاء العبد حق .]٤[يوسف: ٠ }ُ{إنِ الْـحُكْمُ إلَّ لِ َّ ِ أَمَرَ أَلَّ تَعْبُدُوا إلَّ إيَّاه :التشريع أنه ال حكم أحسن من حكم الشريعة، وأن الطامع في غيرها فهو طامعٌ في حكم- ِ{أَفَحُكْمَ الْـجَاهِلِيَّة :الجاهلية، وهو ثناء مطلق على الشريعة مكاناً وزماناً وذم لما سواه .][المائدة: ٠٥ }َيَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّ ِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون ُ{الْ َوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْت : كمال أحكام الشريعة وتمام النعمة بها- ]. فمدعي انحصار التشريع3 :[المائدة }ًعَلَيْكُمْ نِعْمَتِ وَرَضِ يتُ لَكُمْ اإلِسْالمَ دِينا بزمان أو مكان مخصوص يلزمه ادعاء احتياج الدين إلى التكميل واإلضافة بحسب .مالبسات الزمان والمكان
ما تميزت به الشريعة من التفصيل والبيان الذي يحتاج إليه الخلق، فهي تشتمل- :على ما يحتاج إليه اإلنسان، دون أن يكون منحصراً في بيئة معينة أو زمان معين .][النحل: ٩٨ }َ{وَنَزَّلْ َا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُ ِّ شَ ْءٍ وَهُدًى وَرَحْ َةً وَبُشْ َى لِلْمُسْلِمِني حفظ نصوص الشريعة، وأنه ال مبدل لها وال معقب ألحكامها، ومن العبث أن- {إنَّا:تكون محفوظة دون لزوم األخذ بها والعمل بمقتضاها، والله منزّه عن العبث {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِ األَرْضَ نَنقُصُ هَا مِنْ أَطْرَافِهَا.][الحجر: ٩ }َنَ ْنُ نَزَّلْ َا اذلِّكْرَ وَإنَّا لَ ُ لَـحَافِظُ ون .]٤١ :[الرعد } ِوَاللَّ ُ يَ ْكُمُ ال مُعَقِّبَ لِـحُكْمِهِ وَهُوَ سَ ِيعُ الْـحِسَاب بشارة الله لخلقه بهيمنة أحكام الشريعة، وأنه كائنٌ وال بد، وهو ما يلغي فكرة- ِ {هُوَ الَّ ِي أَرْسَلَ رَسُولَ ُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْـحَقِّ لِ ُظْهِرَهُ عَ َ ادلِّين:تاريخية التشريع من جذورها .]٣٣ :[التوبة }َكُ ِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْـمُشْ ِكُون أمر الله تعالى بالتحاكم إلى الشريعة ووجوب الحكم بها بين الناس، وأنه- َّ {فَال وَرَبِّكَ ال يُؤْمِنُونَ حَتَّ يُ َكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُم:ال خيار للمؤمن في الخروج عنها {وَمَا كَ نَ لِـمُؤْمِنٍ وَال .][النساء: ٥٦ }ال يَ ِدُوا فِ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَ يْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيمًا َّمُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَ اللَّ ُ وَرَسُولُ ُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَ َةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّ َ وَرَسُولَ ُ فَقَدْ ضَ ل ]٣[األحزاب: ٦ }ضَ اللً مُّبِينًا فهذه جميعاً دالئل صريحة تدل على وجوب تطبيق شريعة الله، وهو إيجاب غير مخصوص بزمانٍ أو مكانٍ، بل هو مستغرق لهما، ومدعي الخصوصية يلزمه القول ًبأن الله أوجب علينا ما ال يصح األخذ به، بل األخذ به مفسدة، بل قد ال يكون مقدورا .ًعليه أصال وإحصاء الدالالت القرآنية المتنوعة على هذا األصل أكبر من أن يحتملها هذا المقام، وإنما المقصود بيان أن هذا المعنى من المعاني القطعية الظاهرة في الخطاب
،ًالقرآني ومن سماته اإلطالق عن قيد الزمان والمكان، فالله هو الحكم سبحانه مطلقا ،ٍووجوب طاعته وحرمة الخروج عن أحكامه مطلقٌ والطاعة ال تتقيد بزمانٍ أو مكان .بل هو مستغرق لتفاصيل الزمان والمكان والحياة فإن قيل: هذا التصوير لواقع حاكمية الشريعة يوقعنا في مشكالت متعددة عند إعماله على أرض الواقع، فالشريعة خاليةٌ من الشروحات التفصيلية المتعلقة بكثير من الجوانب الحياتية العمرانية، واإلجراءات اإلدارية والقضايا اإلجرائية، وغير ذلك مما يستدعي إعماالً للذهن البشري عملياً لسد هذا النقص، ولذا قلنا: إن الدين متعلق .بشأن اآلخرة، أما الدنيا فإلى الناس وعقولهم والحق أن هذا التصوير لطبيعة التشريع اإلسالمي ينمّ عن إشكالية عميقة في تصور معنى حاكمية الشريعة، وحصر حق الحكم في ذات الله تبارك وتعالى، وطبيعة التشريعات اإلسالمية المتعلقة بدنيا الناس، فالذي ينبغي أن نؤسس عليه نظرتنا للشريعة اإليمان بشموليتها لجانبي الدنيا واآلخرة. ومن تصفح نصوص الشريعة سيجد مادة كبيرة من التشريعات الكلية والجزئية التي تتعلق بالشأن الدنيوي ككثيرٍ من ،مسائل المعامالت واألحكام المتعلقة بالحدود والجنايات وأبواب السياسة الشرعية .وغير ذلك فالعمل بمثل هذه التشريعات الكلية والتفصيلية وإعمالها في واقع الحياة داخل في تقرير هيمنة الشريعة وحاكميتها. ثم هناك منطقة العفو والمباح التي تمثل مساحة هائلة للعقل اإلنساني في استحداث ما يحتاج إليه ويحقق المصلحة من التشريعات والتقنينات واإلجراءات بشرط واحدٍ وهو عدم وجود المعارض الشرعي، وهذا االلتفات لوجود المعارض الشرعي يؤكد طابع الهيمنة للشريعة بمراعاتها في جميع أحوال النفس .اإلنسانية، وتَفَهُّم هذه المسألة يزيل اإلشكال الوارد في االعتراض السابق
فاإلسالم لم يأتِ ببيان ما يتعلق بالقضايا اإلجرائية واإلدارية، وذلك مقصود للشارع توسعةً على الناس، فإن طابع هذه األمور التطور والتغير بحسب احتياجات الواقع، فجعل الشارع لإلنسان فسحة في تطويرها وتغييرها باشتراطٍ وحيدٍ وهو مراعاة كليات الشريعة وأحكامها التفصيلية لئال يتجاوز هذا التطوير أو التغيير أحكام .الشريعة، وبهذا ينزاح هذا اإلشكال :ال ينكر تغيّر األحكام بتغيّر الزمان والمكان بعد هذا البيان المتعلق بالمعارضة المغالية للشريعة بذريعة (تغير الزمان) عبر بوابة التاريخانية، ننتقل لمناقشة المعارضة الجزئية المخصوصة المتعلقة ببعض .األحكام الشرعية، والتي قد يبدي بعضهم معارضة لها العتبارات معينة يراها ،وستكون معالجة هذه القضية عبر مناقشة قاعدة فقهية تجري على لسان العلماء ويتداولونها في مصنفاتهم، وقد يُفعِّلونها في معالجة بعض األحكام، وهي قاعدة .)(ال ينكر تغير األحكام بتغير الزمان والمكان ًفبعض الناس يتوهم من هذه القاعدة معنى مشكالً، ويظن أنها تشكل غطاءً شرعيا لتمرير معارضته لما يراه من أحكام الشريعة، والحق أن هذه واحدة من القواعد الفقهية التي ذكرها عدد كبير من أهل العلم، ومن أشهر من بحثها ووسَّ ع القول فيها اإلمام ابن ،القيم، وذلك في كتابه أعالم الموقعين، فإنه أطال النفس في شرحها، وبيان أدلتها .وأمثلتها، وما يتعلق بها من ضوابط وحدود وحتى تتضح معالم هذه القاعدة والفوارق بين اإلعمال الفقهي المنضبط لها :والتسيب الذي يبديه عدد من المخالفين، ينبغي مالحظة ما يلي : أن وصف أحكام الشريعة بالعموم والثبات والشمول هو أصل شرعيًأوال محكم يجب االنطالق منه في بحث مسألة تغير األحكام بتغير الزمان والمكان، ال قلب
المسألة أو بحثها معزولة عن هذا السياق، إذ عدم استصحاب معنى العموم والشمول سيحيل الشريعة إلى مادة سيّالة قابلة للصب في أي واقع من غير انضباط، ويمكن أن .يستخرج منها الحكم ونقيضه على السواء : أن منطلق أهل العلم في تأصيل هذه القاعدة هو مالحظة تصرف الشريعةًثانيا ذاتها، فإن الشريعة راعت التغيرات الطارئة على الواقع الناشئة عن تغير الزمان والمكان ،واألعراف والعوائد، وبمالحظة تصرفات الشارع جاء هذا التأصيل والنظر الفقهي فليس منشأ القاعدة عندهم هو النظر العقلي المجرد أو التعويل على فكرة التاريخية .كما هو الشأن في الخطابات الحداثية المعاصرة، وإنما هو المتابعة لتصرفات الشريعة : أن هناك قدراً من اإلجمال في صياغة هذه القاعدة تسبب في حالة التوظيفًثالثا السلبي لها، ولعل دوران القاعدة في النطاق الفقهي والتداول بين أهل العلم بما لديهم من انضباط معرفي وخلفيات فقهية مسبقة شكَّ ل ضمانة في الدائرة الفقهية من سوء التوظيف لهذه القاعدة، وهو ما قلَّل من الحاجة إلى التدقيق الشكلي لبعض المفاهيم المتصلة بها، فما كان يخطر ببال أحدٍ منهم أن مثل هذا األصل سيستغل على هذا ًالنحو ليلغى من خالله هيمنة الشريعة على الواقع، أو يجعل حكم الواقع ناسخا .ألحكام الشريعة : منشأ الخطأ واإلشكال في حالة التوظيف السلبي لهذه القاعدة يكمن فيًرابعا الخلل في تصور طبيعة الواقع الذي تغير ألجله الحكم أو الفتوى. وتفكيك طبيعة هذا الواقع سيحل قدراً كبيراً من شبهة التوظيف الخاطئ لهذا القاعدة، فبعض الناس يتوهم أن القاعدة تقوم على أساس أن ثم تغيراً يجري على الحكم الشرعي تبعاً لتغيرات تطرأ في طبيعة الزمان أو المكان، فيكون الحكم الشرعي في زمانٍ أو مكانٍ معين غير ما هو .عليه في زمان أو مكان آخر
والذي ينبغي مالحظته وإدراكه هنا أن هذا التغير المدَّعى هل هو أمر واقع على الحكم الشرعي نفسه، أم هو طارئ على الواقع، وحين تغير هذا الواقع استتبع الحكم الشرعي المناسب له؟ والجواب عن هذا السؤال هو ما يكشف عن حالة اللبس االصطالحي، والذي .أحاط بهذه القضية، وتسبب في عدد من التوظيفات الخاطئة لهذه القاعدة فنقول: متى كان مناط الحكم واحداً مع تغير األزمنة واألمكنة فالحكم الشرعي فيها واحد ولو تغير الزمان أو المكان، كأن يقدم رجلٌ مثالً على قتل آخر متعمداً، فلو تُصوِّر أن ذات المالبسات وقعت في ذات الزمان في مكان آخر فالحكم سواء، وكذا لو وقعت في زمان آخر بذات المالبسات فالحكم سواء أيضاً، فليس في مجرد وقوع الحادثة في زمان آخر أو مكان آخر ما يستوجب تغير الحكم الشرعي، بل األصل بقاء .الحكم كما هو لتحقق مناطه في الواقع أما إن كان هناك تغير في طبيعة الواقعة التي اتصل بها الحكم، فهذه الفوارق قد تكون مؤثرة في إعطاء الواقعتين أحكاماً مختلفة وقد ال تكون، فإن كانت مؤثرة فهذا يعني أن مناط الحكم الشرعي في الواقع قد تغير، وبتغيره سيترتب على الواقع حكمه المناسب في نظر الشريعة، إذ مناط الحكم هنا ليس عين مناطه هناك، وهو ما يدلنا على أن الحكم في الحقيقة ليس واحداً، بل نحن أمام حكمين شرعيين يتنزل كلٌّ على .مناطه المناسب بحسب وضع الشريعة ًكما لو أقدم رجل على قتل مسلمٍ متعمداً فحكمه القصاص، فلو كان القتل خطأ أو للولد فسيكون لهذا أحكامٌ تخالف الواقعة األولى، مع التذكير بأن الفوارق بين ًطبيعة الوقائع ال تلزم بالضرورة أن تكون مؤثرة في الحكم، كما لو قتل رجلٌ امرأة
مسلمةً أو امرأةٌ رجالً فالحكم واحدٌ ، فالحكم بتأثير األوصاف من عدمها راجع إلى .ًتقدير الشارع، فما اعتبره الشارع من الفروق اعتباره متعين، وما لم يعتبره فليس معتبرا وألهل العلم تفاصيل دقيقة في تنقيح مناط األحكام الشرعية، ولهم مسالك منضبطة في استخراج عللها، ومعرفة مناطاتها، وليس األمر متروكاً عندهم للنظر العقلي المجرد، أو التعويل على المصالح فقط، أو اعتبار مطلق التغير في الزمان .والمكان ومن األوصاف المؤثرة في معرفة الحكم الشرعي: العرف، حيث إن الشريعة جعلت للعرف أثراً في ترتيب كثير من األحكام الشرعية. وإذا دققت النظر في تأثير العرف في تنزيل األحكام الشرعية وجدت أنه ليس مؤثراً من حيث هو في الشريعة نفسها، وإنما أناطَ الشارع الحكم بالعرف في بعض األحكام، فبقدر ما يحصل من .تغيرٍ في العرف يؤثر هذا في الحكم فمثالً رخصت الشريعة للمسافر بجملة من الرخص كقصر الصالة والفطر في ،رمضان، والسفر على الراجح ليس له معنى ثابتٌ مستقرٌ ينضبط به كزمان أو مسافة وإنما مرد تحديده إلى العرف، فما يكون سفراً في زمن قد ال يكون سفراً في زمن آخر لتغير األعراف وتجدد األحوال، فإذا تدبرت في هذا المثال وجدت الحكم الشرعي ً هو هو لم يتغير، فكل من كان متصفا- وهو الترخيص للمسافر بالقصر والفطر- بوصف السفر جاز له الترخص بهذه الرخص، إذ الشارع علق الرخصة بهذا الوصف وهو السفر، فإذا تحقق وجوده عرفاً فمناط الحكم قائمٌ في الواقع فتتنزل الرخصة، وإن لم يتحقق هذا الوصف العرفي تخلفت الرخصة تبعاً لعدم تحقق المناط، وهو كون المرء مسافراً، ففرقٌ بين هذا التأصيل وبين من يرى أن المسافر ال يجوز له الترخص .ألن الزمان تغير
ِ{ال يُؤَاخِذُكُمُ اللَّ ُ بِاللَّغْو :مثال آخر: نص الشارع على كفارة اليمين في قوله تعالى فِ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ األَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَ َةِ مَسَاكِنيَ مِنْ أَوْسَطِ مَا ْتُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَ ْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَ ِدْ فَصِ يَامُ ثَالثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُم .][المائدة: ٩٨ }َإذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُ وا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّ ُ اللَّ ُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون فاإلطعام والكسوة معانٍ يراعى فيها العرف في ضبطه وتحديد مقداره، وهو مما يقع فيه التفاوت للتفاوت الواقع في األعراف زماناً ومكاناً، لكن الحكم الشرعي يتطلب مناطه في الواقع، فإذا تحقق اإلطعام أو الكسوة العرفية في الواقع حصلت الكفارة ًالمطلوبة شرعاً، وإن تخلفت لعدم دخولها تحت وصف اإلطعام أو الكسوة عرفا فالمناط الذي يتنزل عليه حكم الشريعة غير حاصل في الواقع فال تصح أن تكون .كفارة لليمين كما أن وصف الضرورة والحاجة يؤثر في المناطات التي تتعلق بها أحكام الشريعة، فمع كون الميتة والدم ولحم الخنزير محرمة شرعاً في حال السعة، لكنها َّ {إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْـمَيْتَةَ وَادلَّمَ وَلَـحْمَ الْـخِزنِيرِ وَمَا أُهِل:مع االضطرار تباح، قال تعالى .]١٧٣ :[البقرة }ٌبِهِ لِغَيْ ِ اللَّ ِ فَمَنِ اضْ طُ رَّ غَيْ َ بَاغٍ وَال عَ دٍ فَال إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّ َ غَفُورٌ رَّحِيم فحكم المضطر لهذه المطعومات هو اإلباحة، فالتغير إنما وقع في طبيعة المناط الذي تعلق به الحكم، فلما كان المناط خالياً من الضرورة تعلق به حكم التحريم، ولما تغير .المناط وصار مشتمالً على الضرورة تعلق به حكم اإلباحة وليس القصد هنا تفصيل الكالم في أحكام الضرورة والحاجة، وإنما القصد ،التأكيد على أن الشريعة هنا هي من أباحت الترخص في حال الضرورة والحاجة فجعلت لكل مناط حكمه المناسب له، ال أن التغير في وضع الشريعة وقع بأمر مفارق .لها
ومتى ادّعى أحد أن الحكم الشرعي يمكن أن يتغير مع عدم تغير طبيعة المناط الذي راعته الشريعة في حكمها، فهو مدعٍ في الحقيقة نسخاً للحكم الشرعي، والنسخ ليس ألحد من البشر وإنما هو واقعٌ من الشريعة نفسها، فليس ألحد أبداً أن يدعيه بعد انقضاء الوحي، حتى نصَّ أهل العلم على أن اإلجماع المجرد ال ينسخ النص، وإنما ٌيكون كاشفاً عن النص الناسخ، فكيف يمكن أن يدعي النسخ بعد انقضاء زمانه فرد .أو أفراد والمقصود أن نظر الفقيه يراعي طبيعة المناطات التي راعتها الشريعة في أحكامها، وليس من العقل االفتيات على الشريعة بوضع مناطات أجنبية عنها، وادعاء أنها تؤثر في األحكام وتغيرها، فهذا في الحقيقة من الكذب على الله، والتحريف ِ{وَال تَتَّبِعُوا خُطُ وَاتِ الشَّ يْطَ ان :لدينه وشرعه، اتباعاً لخطوات الشيطان، وقد نهانا الله عنه }َ إنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّ وءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَ َ اللَّ ِ مَا ال تَعْلَمُون)#٨٦١# ٌإنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِني .]١، ٩٦١[البقرة: ٨٦ وقد عبَّر بعضهم عن هذه القاعدة التي أساء فهمها كثير من الناس بألفاظ أكثر انضباطاً وأبعد عن اللبس واإليهام، فقالوا: الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان. فهذه الصياغة أسلم من التعبير بتغير األحكام، إذ الفتوى نتاج اجتهاد المفتي في استنباط الحكم الشرعي من أدلة الشريعة، وتنزيل لذلك الحكم المستنبط على الواقع، وال شك في أن الفتوى يعرض لها من عوارض التغير ما يعرض، وتتأثر بمراعاة العرف أو تحقق وجود المناط أو موازنات المصالح والمفاسد، وهو مقصود من ذكر تغير األحكام، فهو تجوز في التعبير، إلثبات مرونة الشريعة وصالحيتها لجميع األزمنة .واألمكنة ومراعاتها التغيرات الحاصلة في الواقع
وبكل حالٍ، فالذي ينبغي أن يكون واضحاً تماماً أن ما يدرجه أهل العلم من المعاني تحت قاعدة (تغير األحكام لتغير الزمان والمكان)، ال ينسجم إطالقاً مع تلك التوظيفات المعاصرة المتجاوزة لثوابت الشريعة ومحال اإلجماع؛ فإن هذه القاعدة ال تعني إطالقاً أن ثمة تغيراً حقيقياً طارئاً على األحكام الشرعية ذاتها، قُصارى ما يريدون اإللماح إليه أن من طبيعة الشريعة السعة والشمول في إعطائها األحكام المناسبة لظروف الواقع، مع ثباتها ورسوخها، وأنها تراعي في أحكامها عدم التفريق .بين المتماثالت أو الجمع بين المختلفات، وهذا من عظمة هذه الشريعة