تمسَّ كْ بروح الشريعة، وخذ بمقاصدها، وراعِ الكليات الكبرى فيها، وحافظ على األصول، ونحو هذه العبارات التي تسعى لتقرير قضية واضحة ومباشرة، وهي: أن ،الشريعة اإلسالمية لها روحٌ مستلهمٌ من مقاصد وكليات كبرى، يجب الحرص عليها ًوالتمسك بها، وتفسير كل حكم جزئي تفصيلي في ضوئها، بل تقييده أو رده وفقا لذلك، إذ المقاصد تعبّر عن هدف الشريعة، وغايتها، وما تسعى لتحقيقه من مصالح كبرى التي تقررها، فإن ترتب على أي حكم ما يخالف هذه المقاصد فال يمكن أن .ًيكون حكماً شرعياً صحيحا وهنا نتساءل: من أين يأتي اإلشكال في مثل هذا؟ ،يأتي اإلشكال في طبيعة هذه المقاصد التي يُتحدث عنها، وفي كيفية التعرف إليها فمقاصد الشريعة تُعرف من خالل تصريح الشارع بأن تقرر الشريعة على أن هذا األمر َّ {وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَاإلنسَ إل:من مقاصدها، فمن مقاصد الشريعة تعبيد الخلق للخالق َ َّ{وَال تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إنَّ الل : ومن مقاصدها حفظ األنفس.][الذاريات: ٦٥ }ِلِ َعْبُدُون .]٢ [النساء: ٩}كَ نَ بِكُمْ رَحِيمًا ، أو تعرف من خالل استقراء الفروع الشرعية المتنوعة في كتاب الله وسنة رسوله والتي تمكننا من إدراك وجه الحكمة في تشريعها فتفضي بنا إلى إدراك مقاصد الشريعة .وكلياتها الكبرى فالمقاصد ال تدرك معزولة عن الشريعة، وإنما تعرف من خالل نصوصها وفروعها. ومتى تتبعنا هذه النصوص وتلك الفروع أمكننا العلم بأن من مقاصد
الشريعة: حفظ النفس مثالً، وأن من مقاصدها أيضاً: التشديد في حقوق الناس، ومنع .أي تعدٍّ أو ضرر عليهم، وأن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة، وهكذا فهذه المقاصد هي في الحقيقة خالصة نظرٍ في األحكام الشرعية التفصيلية، فهي .التي توصلك إلدراك القواعد الكلية التي تقوم عليها هذه الشريعة حكم شرعي تفصيلي: دعونا نتمسك بالمقاصد؛ ألن المقاصد إنما تعرف أصال ًمن خالل تتبع هذه األحكام الشرعية التفصيلية، فإذا اتخذتَ من المقاصد ذريعةً لرد الجزئيات فأنت في الحقيقة تقع في مشكلة منهجية واضحة، وهي أنك عمدت إلى وضع مقاصد جديدة، ثم حاكمتَ إليها نصوص الشريعة، بل أسبغت على مقاصدك !هذه وصف الشرعية وهو مزلق خطر، إذ فيه تقصيد للشارع، وادعاء أن الله حين أنزل الشريعة أراد ،منها ما أردتَ ، فإذا لم يكن األمر كذلك وقعت في الكذب المركب على الله تعالى فكذبت عليه حين ادعيت أن من مقاصده في إنزال الشريعة كذا وكذا، وكذبت عليه بعد :ذلك بعدد ما سيتناسل من هذا المقصد المكذوب من فروع توهم نسبتها إلى الشريعة .]٢١ :[األنعام }َوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَ َى عَ َ اللَّ ِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إنَّهُ ال يُفْلِحُ الظَّ الِـمُون{ وهذه اإلشكالية تمثل ثغرةً منهجية هائلة نتجت عن الفقر الشديد في استقراء . ً توهم أنه ال داعي لهذا أصل- وهو األسوأ- نصوص الشريعة، أو فعلم مقاصد الشريعة علمٌ كاشف يكشف عن مقاصد الشريعة بالنظر إلى الشريعة ذاتها وما حددته من المقاصد نصاً، أو ما يمكن تحصيله منها عن طريق النظر ،واالستقراء لجزئياتها، وهو مقام علمي رفيع يجب أن يتحلى صاحبه بالعلم الوافر .واالستقراء التام، والورع الشديد، خوفاً من أن يقول العبد على الله وشريعته بال علم
وقد كان الشاطبي مدركاً خطر هذا التوظيف المنحرف للمقاصد، فأكد أهمية التحلي بهذه الخصائص والمؤهالت، فقال في مقدمة أشهر كتابٍ مؤلفٍ في شأن المقاصد، وهو الموافقات: «ومن هنا، ال يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظرَ مفيدٍ أو مستفيد؛ حتى يكون ريانَ من علم الشريعة، أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب، فإنه إن كان هكذا؛ خيف عليه .(((»أن ينقلب عليه ما أودع فيه فتنة بالعرض، وإن كان حكمة بالذات فحين يأتي أحدٌ فيرد حكماً شرعياً متعلقاً بالمرأة أو بالتعامل مع الكفار أو بالعقوبات بدعوى معارضتها مقاصد الشرعية، فهو يرد الحكم ألنه خالف مقصدًا وضعه هو، وليس ألنه خالف المقصد الشرعي فعالً؛ ألن المقصد الشرعي إنما يعرف من خالل فروع الشريعة كما مرّ، وبه يتضح حجم الجناية حين يأتي أحدهم مثالً إلى ويقول: هذا ]١١ :[النساء }ِ ْ{لِذلَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ األُنثَيَي :قسمة الميراث الذي قال الله فيه مخالف لمقصد الشريعة في المساواة! أو يأتي إلى ما جاء في الشريعة من البراءة من !الكفار والنهي عن توليهم فيقول: هذا منافٍ لمقصد الشريعة من االنفتاح على اآلخر أو يأتي إلى ما جاء في الشريعة من النهي عن الربا فيقول: هذا منافٍ لمقصد الشريعة في التيسير وتحريك األموال! فيجهز على الفروع الفقهية بسيف المقاصد، وهي في الحقيقة ليست مقاصد للشريعة، بل مقاصد جديدة لألهواء واألذواق أصبحت حاكمة .على الشريعة وحتى تتأكد من حجم عبثية كثير من الخطابات المتعلقة بذيول المقاصدية وما يسمونه روح الشريعة، فإن كثيراً من المصطلحات التي يسوقونها في هذا الباب لم تحرر تحريراً علمياً، بل هي مجرد مصطلحات عائمة وفضفاضة وغير واضحة، فإذا .)124/1( الموافقات للشاطبي(((
وقف في وجهه بأن وجد أحدهم نصاً مشكالً عليه في كتاب الله أو سنة رسوله هذا مخالف لروح الشريعة، ومصادم لمقاصد اإلسالم، فإذا طلبت منه أن يشرح ما المقصد الشرعي هنا؟ وما روح الشريعة؟ جاء بكالم فضفاض عام، وهو ما يكشف ًعن كسل معرفي في تأدية الواجبات البحثية المتعلقة بالدعوى، فإن الدعاوى مجرَّدة .عن األدلة والحجج والبراهين مجرد عبث علمي ال قيمة له والتعامل مع األحكام الشرعية ال يكون بهذه الطريقة الفوضوية العبثية، بل يتطلب األمر دقة علمية ومنهجاً بيّناً ونظراً موضوعياً حتى يتمكن المسلم من إثبات أن هذا :الحكم يخالف المقصد الفالني، وال يكون إال ببيان أمور .األمر األول: تحديد المقصد الشرعي بصورة واضحة بيّنة .األمر الثاني: بيان وجه المخالفة والتناقض بين الفرع الجزئي والمقصد الكلي .األمر الثالث: بيان سبب ترجيح المقصد، وإلى ماذا استند .األمر الرابع: بيان كيفية التعامل مع الفرع وهذه الضوابط ال تكاد تجدها عند من يتحدث بأننا نريد التمسك بالمقاصد وروح الشريعة؛ ألنها ال تنطلق من طريقة موضوعية، أو منهجية متماسكة، بل من رؤية .تتعامل مع كثير من المقررات الفقهية باعتبارها عبئاً يحتاج إلى التخلص منه وتجاوزه ،إن وجود ما يظهر للناظر تعارضاً بين أدلة األحكام الشرعية أمر واقع وسائغ وهو ما ينكشف بمراجعة أبحاث الفقهاء، فكتب الفقهاء مليئة بالخالف والجدال في أحكام ونصوص كثيرة، تتفاوت فيها أذهان الفقهاء في كيفية الترجيح، لكنها محكومة بمنهجية منضبطة ونظر دقيق، فيجتهدون وفق معايير موضوعية في تطلب الحق، وهم .فيها بين األجر واألجرين
وهذه الحال العلمية الموضوعية كما ترى تختلف عن تلك العبثية التي تتساقط فيها كل الشروط الموضوعية ومناهج النظر والبحث، فيأتي أحدهم مثالً إلى حديث مع أدلة أخرى تمنع من وجود(((» يقول فيه: «من بدل دينه فاقتلوه صحيح عن النبي .حرية الردة عن اإلسالم، فيردها بناءً على أن هذا يخالف مقصد الشريعة في الحرية ًفيضع أوالً مقصداً من عنده يفسره بناءً على رأيه الخاص ليرد به حديثاً صحيحا ، ثم ال تجد هذا المقصد مفسراً بشكل واضح، فكل شخص يفسر الحرية عن النبي وفق حدوده وضوابطه، وال ينظر في وجه الجمع الذي يدفع التعارض، بأنه يمكن أن تجعل الحرية في اإلسالم مقيدة بضوابط، منها: عدم الخروج عن الدين إلى غيره جهاراً، وإنما يبادر برد الحديث مباشرة، ثم ال يقدم أدلة صحيحة سالمة تثبت هذا المعنى الذي ذهب إليه، وال يجيب عن األدلة األخرى التي تثبت أن الحرية التي .ًيتحدثون عنها غير موجودة في اإلسالم أصال فالخلل هنا إذاً ليس في توهم وجود تعارض في عين الناظر بين بعض أحكام ،الشريعة، فيبدو له أن حكماً يعارض حكماً آخر، أو أن حكماً يعارض قاعدة أقوى منه فيجتهد في دفع ذلك وفق اجتهاد شرعي معتبر؛ وإنما حقيقة األمر هدم أحكام وفروع .ونصوص من خالل ضربها بالمقاصد بال منهج موضوعي ومما ينبغي التأكيد عليه أيضاً في هذا الشأن أن الفروع هي في الحقيقة مسرد شارح للتفاصيل الداخلية للمقاصد، إذ المقاصد قضايا كلية عامة، وكثيراً ما يقع االتفاق بين الناس على اعتبار عدد من الكليات، لكنهم مع اتفاقهم عليها يختلفون كثيراً في سبل تحقيقها، وما يدخل فيها وما يخرج؛ فالناس مثالً ال يتنازعون في حسن العدل، وهو كذلك في نظر الشريعة، لكن حالة التوافق على هذا الشأن الكلي ال تعني . أخرجه البخاري(((
أن هناك توافقاً على مضامين العدل الداخلية، إذ لكل مجتمع وثقافة ومذهب فروعه التفصيلية التي يحدد من خاللها حقائق العدل التفصيلية، وهذه التفصيالت هي ما يُشكِّ ل إطار العدل في الواقع ويحدد مالمحه وصورته؛ فالليبرالية مثالً ترى أن العدل إنما يتحقق في فتح الحرية للناس جميعاً دون تدخلٍ للسلطات في منع أحد بسبب ،ضرر ديني، أما المسلم فالعدل عنده يكون في منع ما يلحق بالناس ضرراً بالدين وهكذا ترى أن مقصد العدل يتأثر في تفاصيله بالمرجعية الحاكمة التي يعتمدها كل طرف، فإذا جاء أحد ورد حكماً شرعياً بدعوى أنه مخالف لمقصد العدل فهو في الحقيقة ال يعتمد العدل على وفق الشريعة، بل يأتي بالعدل متأثراً بثقافة أخرى ويريد .محاكمة الشريعة إليها التعامل مع :ومن اإلشكاليات المولدة من تصور القطيعة بين الفروع والمقاصد الفروع والتشريعات الجزئية باعتبارها مجرد وسائل لمقاصد يمكن استبدالها بغيرها من الوسائل متى ما حققت تلك الوسائل المستحدثة المقاصد المطلوبة، إذ المقصد هو الذي يجب االستمساك به، أما الوسائل فال يصح أن تكون مقصودة لذاتها، فيُتشدد في التمسك بها، بل يُتمسك بها ما دامت محققة للمقاصد، فإذا كان هناك سبيل لتحقيق .المقاصد هنا دونها، فليس من العقل التشدد في شأن الوسائل وهذه اإلشكالية كما ترى هي فرع عن مشكلة منهج استخراج المقاصد الشرعية عند صاحب هذه المقولة وكيفية االطالع عليها ومعرفتها، فإذا ما انضاف إليها وهْم ،أن مقاصد الشريعة محصورة في تحقيق المصالح الدنيوية فقط، تعاظمت المشكلة وصار من الطبيعي أن تتراجع قيمة المأمورات الشرعية والمنهيات التفصيلية في حس .هذا الواهم
إن دعوى إمكانية استبدال أحكام الشريعة التفصيلية بأحكام أخر تحقق عين مقاصدها، تتضمن جرعةً عاليةً من الغرور المعرفي بادّعاء معرفة تفاصيل المقصد الشرعي لتلك األحكام وحدودها، ثم ادّعاء أن ثمّ وسائل أخر تحقق عين المقصد الذي قصدته الشريعة بتلك التشريعات، وأن هذه الوسائل يمكن االستغناء بها عن .الوسائل التي قررتها الشريعة وهب أننا تنزلنا وقلنا: هذه التشريعات التفصيلية في مختلف أبواب الشريعة مجرد وسائل لغايات، فإننا جازمون بأن هذه الوسائل المنصوص عليها محققة لغاياتها؛ ألن ،الشارع الذي وضعها أراد بها تحقيق تلك الغايات مع كمال علمه سبحانه وحكمته وادّعاء أنه باإلمكان إحداث وسائل أخرى تحقق عين تلك الغايات من غير زيادة أو .نقص دعوى تحتاج إلى البرهنة واإلثبات وإذا تأملت في ممارسات هؤالء في استحداث الوسائل ستلحظ أن ما اقترحوه من الوسائل البديلة ال يسلم من االعتراض والنقد، فحين يتحدث أحدهم مثالً عن أن قطع يد السارق شعيرة شرعت للردع عن السرقة ويمكن أن تستبدل بما يحقق الردع كالسجن، فهذا المثل ال يخلو من إخالل عظيم في معرفة تفاصيل ما يتعلق بمقصد (الردع) وحدوده، فليس المقصود هو تحقيق مطلق الردع، بل تحقيقه بالقدر الذي يتحقق من خالل تشريع القطع من غير زيادة أو نقصان، فالقتل يحقق الردع أيضاً، فهل يسوغ أن تستبدل شريعة القطع به لمجرد اشتراكهما في مطلق الردع؟ ومن جهة أخرى، فثمّ مالبسات تتصل بالعقوبة الشرعية (القطع) والعقوبة البديلة المقترحة (السجن) يجزم الناظر فيها أن استعمال هاتين العقوبتين وإن تقاطعتا في شيء من النتائج فثمّ قدر من االفتراق يوجب القول بأن الوسيلة الثانية ال توصل لعين .ما توصل إليه النتيجة األولى
فمجرد اإلعالن عن إقرار عقوبة القطع مثالً يؤدي إلى الزجر عن السرقة بما ال يحققه اإلعالن عن عقوبة السجن. كما أن السجن قد يشكل محضناً لبث ثقافة اإلجرام والفساد بين السجناء، ففيه من المفاسد ما ليس في عقوبة القطع.. وغير ذلك من الفوارق الموضوعية بين ما يترتب على إقرار حد القطع وإقرار عقوبة السجن .لمعالجة مشكلة السرقة ثم إن كان الكل يوصل إلى نتيجة واحدة حقيقة والغرض تحقيق تلك النتيجة المعبر عنها بالمقاصد، فلِمَ هذا اإلصرار على تعطيل الوسيلة التي اعتبرها الشارع !واستبدالها بوسيلة أخرى؟ إن السبب في الحقيقة ينكشف بما سبق ذكره من استحضار بواعث هذا الخطاب ،في التعلق بنظرية المقاصد، فليس القصد هو االستمساك الموضوعي بهذه النظرية وإنما األخذ منها بالقدر الذي يحقق هدر ما أرادوا هدره من أحكام الشريعة، ولذا فمتى ما أفضى التمسك بهذه النظرية إلى ما يتوهمونه تشدداً فقهياً رأيت أولئك ينقلبون على هذه النظرية ويصبحون حرفيين ظاهريين جداً، وبه ينكشف حضور الهوى كموجه .للشخص في خياراته الدينية، ال أن تكون الشريعة ذاتها هي الموجه إذاً، نخلص مما سبق إلى أن التمسك بمقاصد الشريعة يقتضي في الوقت نفسه التمسك بفروعها، وأن من يدعو إلى التمسك بمقاصدها لهدم بعض الفروع فهو لم يتمسك بالمقاصد من األساس، فما يدعو إليه ليس روح الشريعة وال مقاصدها وال كلياتها، بل هو شيء أجنبي عنها يتخذه تكأةً إلسقاط بعض أحكام الشريعة بال حق، وهو من جنس الهوى الذي يجب على المسلم الحذر منه عند التعامل مع األحكام الشرعية .]٢[ص: ٦ }ِ َّ{وَال تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِ لَّكَ عَن سَبِيلِ الل :ألنه يصد عن الحق، والله يقول