من األوهام الواقعة عند بعض الناس توهم أن المساواة والعدل شيء واحد، فإذا جاءت الشريعة بالتفريق بين شيئين في حكم، وإلغاء التسوية بينهما، توهم أن في هذا ،مخالفةً للعدل، ككثير من األحكام المتعلقة بالمؤمنين والكفار، أو الرجال والنساء أو غير ذلك. والحق أن العدل إنما يكون في إعطاء كل ذي حق حقه، سواء اقتضى .ذلك المساواة أو ال. فليس العدل مالزماً ضرورة للمساواة، فقد يجامعه وقد يفارقه وأنت إذا تأملت في واقع أحكام الشريعة وجدتها تتشوف في جميع مواردها إلى تحقيق قيمة العدل، دون المساواة، وهو أمر يمكن مالحظته من خالل استقراء أحكام الشريعة، بل هو أمر الحظه من كان خارجاً عن نسيج هذه األمة، كلويس ميس، حيث .(((ذكر أن القانون الوضعي الغربي يهتم بالمساواة، بينما يهتم اإلسالم بتحقيق العدالة ،فالعدل هو ما يمثل القيمة المركزية في اإلسالم، وهو محل الثناء المطلق فيه وبه تمدَّح الله تبارك وتعالى ووصف به نفسه، وألزم به خلقه، بل حرم على نفسه ،العليّة وعلى خلقه تجاوزه بالظلم، أما المساواة فليست بهذا المقام، فالعدل حق كله .ومحمود كله، أما المساواة فال يصح أن يثنى عليها بإطالق وليس معنى هذا أن المساواة ليست محمودة أو معتبرة بإطالق، لكن المقصود .أنها إنما تكون معتبرة وممدوحة إذا كانت محققة للعدل، أما إن خالفته فال . وأحال قوله إلى كتابه: (المدخل12 انظر: مقاصد الشريعة اإلسالمية ومكارمها لعالل الفاسي((( .إلى دراسة الشريعة اإلسالمية) والمكتوب بالفرنسية
باملساواة يتحقق العدل يؤكد هذا أن من طبيعة الشريعة التسوية بين المتماثالت، والمغايرة بين المختلفات، فـ: «التسوية بين المتماثلين والتفضيل بين المختلفين هو من العدل .(((»والحكم الحسن الذي يوصف به الرب سبحانه وتعالى فالشريعة تبني أصول العدل وفق ثنائية التسوية والمغايرة، فالتسوية فيما كان متماثالً هو العدل، أما ما كان فيه تغاير يقتضي تغايراً في الحكم فمقتضى العدل عدم التسوية بينهما، بل إحكام المغايرة، وعليه؛ فليس من الصحيح إطالق القول بأن كل .مساواة ليست عدالً أو العكس، بل منه ما يكون كذلك، ومنه ما ليس كذلك ومن أكثر مظاهر التغبيش والتشويه هو االتكاء على فكرة المساواة للطعن في كثير من تشريعات اإلسالم، والحقيقة أن مثل هذا التشويه صادر من عقلية سطحية متعجلة، إذ العقل اإلنساني يميل بطبعه إلى جعل المساواة قيمة معيارية مطلقة لسهولة ذلك بخالف إعمال الذهن وكدّه في دراسة التعقيدات التي توجب التفاوت في فرض .الواجبات ومنح الحقوق وبناءً على ما سبق، فحين ال يكون ثمّ موجب معتبر للتفريق، فاألصل هو المساواة؛ ألن التفاضل بال سبب، أو بسبب غير معتبر، ظلم، ومجانف لقاعدة العدل، فتأكيدنا على أن المساواة ليست بالضرورة موافقة للعدل، ال يعني التزهيد فيها، إذ إلغاء وصف .المساواة بين شيئين يجب أن يكون مبنياً على سبب معتبر مؤثر وهذا يعني أن قاعدة المساواة تكون واسعة جداً، إذ هو األصل، فال يجوز التمييز بال سبب معتبر، وحين نقول بال سبب معتبر، فنحن نربط هذا باألسباب الشرعية المعتبرة، وهذا يضيّق مجال التفكير في األسباب الممكنة للتفاضل، فاألسباب .170/5 منهاج السنة النبوية البن تيمية(((
باملساواة يتحقق العدل الشرعية المؤثرة معروفة ومحددة، وهو ما يؤكد األصل السابق ويكشف عن تمدد .مساحة المساواة فاالختالف الذي يحصل بين أحكام الرجل والمرأة إنما يكون في األحوال التي يتحقق فيها وجود اختالف مؤثر بين الجنسين يفرض هذا التفاوت، وأما في حال غياب هذه األوصاف فاألصل هو المساواة بينهما، ولهذا نجد أنهما سيان في َ{مَنْ عَمِلَ صَ الِـحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَ وَهُو :تكاليف الشريعة، وفي الجزاءات المتعلقة بها [النحل: ٧٩]، «إنما }َمُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَ يِّبَةً وَلَ َجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَ نُوا يَعْمَلُون . ويأتي التفاوت بينهما في حال وجود سبب معتبر يجب(((»النساء شقائق الرجال .]٣[آل عمران: ٦ } َ{وَلَيْسَ اذلَّكَرُ كَ ألُنث :مراعاته ليتحقق العدل بينهما . أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي. وصححه ابن القطان، واأللباني(((