) الشريعة على فهم مَنْ ؟25( يحال في موضوعات التنازع في القضايا المعاصرة إلى الشريعة، فهي مرجعية حاكمة للمسلمين يسلمون بها وينقادون إليها، وفي هذا السياق يأتي اعتراض شهير على هذا األصل يقول: الشريعة على فهم من؟ ويعني هذا االعتراض أن هناك تفسيرات مختلفة واتجاهات متباينة في فهم الشريعة، فعلى أي فهم تريدنا أن نحتكم؟ وقد يعبر بعضهم عن هذه اإلشكالية بقوله: نحن أمام إسالمات متعددة، فأي إسالم نطبق؟ وبطبيعة الحال فإن هذا السؤال ال يقصد في الحقيقة إلى شق طريق البحث للوصول إلى المرجعية الحقة حتى تكون هي الحكم، وإنما يقصد للتشكيك في أصل هذه اإلحالة على الشريعة، بذريعة أنك تحيلنا إلى شيء غير معروف، ويتضمن .تفسيرات متباينة، فال يمكن أن يكون هو الحكم والفيصل .تعتمد هذه المقولة إذاً على إسقاط حجية الشيء بسبب وجود اختالفٍ فيه وهذا معنى فاسد مدرك بالدليل العقلي القطعي: فإن وجود االختالف في أي شيء ال يلغي وجوده وال حجيته وال مكانته، وإنما يوجب البحث عن الطريق الصحيح .للتعامل مع هذا االختالف فإذا تنازع الناس في الله سبحانه وتعالى وصفاته وتباينوا إلى مدارس واتجاهات شتى، فهذا ال يعني أن الذات اإللهية لم تعد موجودة، أو أن صفاته غير معلومة، بل
الشريعة على فهم مَنْ ؟ يجب البحث في هذا االختالف عن القول الحق في ذات الله تعالى وصفاته، وهذا .ًباتفاق المختلفين جميعا وإذا تنازع الناس في أي األديان هو الدين الحق، فال يعني أن األديان كلها لم تعد طريقاً موصالً إلى الله، بل الواجب أن يسعى الشخص للبحث عن الدين الحق، وكل أصحاب دينٍ يرى وجوب هذا، فالمتنازعون متفقون على وجوب اختيار الحق في ذلك؛ ألن تغييب الحق وإزالته بسبب وجود خالفٍ فيه معنى فاسد ال تقبله العقول .الصحيحة والفطرة المستقيمة فإن:وهذا المعنى العقلي مدرك بداهة حتى فيما يتعلق بمعيشة الناس وحياتهم الناس يختلفون في أمور كثيرة، ويتنازعون في قضايا مختلفة، والحكَ م بينهم عند النزاع هو البحث عن الحجة والبرهان والدليل الموصل إلى الحق، ال تجد أحداً يستدل على وجود خالف في أمرٍ على إلغاء اعتباره، فإذا اختلفوا في حقٍ مالي معين ذهبوا إلى القضاء ليفصل بينهم ويحدد المالك الحقيقي، ولن يفكر أحد أن اختالفهم في ملكيته دليلٌ على الشك في وجود مالكٍ حقيقي له! وقل األمر نفسه في كل شأن حياتي يتعلق باإلنسان، كزواج أو شراء سيارة أو بناء مسكن أو اختيار جامعة أو تخصص أو غير ذلك، فإذا استشار الشخص الناس واختلفوا عليه في هذه الملفات سعى للتوصل إلى .الخيار الذي يكون أقرب إلى الحق والصواب وهذا المعنى العقلي، الذي يسهل إدراكه هنا، يدركه أيضاً أصحاب هذه المقولة ،أنفسهم، فهم ال يستعملون الخالف إلسقاط حجية األصل إال مع الشريعة فقط وإال فهم مدركون أن الخالف موجود في االتجاهات والمذاهب الفكرية، فلو طبقوا قاعدتهم النظرية هذه لسقط االعتبار لكل هذه المفاهيم، ولن يبقى في أيدينا حرية وال عدالة وال ديمقراطية وال حقوق إنسانٍ، وال أي شيء آخر، ألن الخالف واقع في هذه :لكنهم يدركون أن وقوع الخالف ال يزيل حقيقتين قطعيتين بدهيتين ،ًالمفاهيم جميعا
الشريعة على فهم مَنْ ؟ . أن ثم قدراً مشتركاً متفقاً عليه ليس محلَّ خالف:الحقيقة األولى ، أن الحكَ م عند الخالف إلى الحجة والدليل الموصل إلى الحق:الحقيقة الثانية .وال يلغي الخالفُ وجودَ الحق نفسه .يمكن أن يصمد أمام نظر عقلي صحيح يبقى السؤال المشروع في: كيفية التعامل مع االختالف الموجود في مفهوم الشريعة؟ .الدعوة إلى تحكيمها، أو إلزام الجميع بها، وخضوع الناس لها .إنما يقتضي اإلجابة عن كيفية التعامل مع هذه االختالفات للوصول إلى الحق :وهذا سؤال مشروع، والجواب عنه ببيان أربع قواعد :القاعدة األولى: أن أحكام الشريعة على درجات في مرتبة الجزم بها وهي التي دلت عليها دالئل ظاهرة بيّنة ال:المرتبة األولى: األحكام القطعية يشك فيها من عرفها، فإذا كان العلم بها شائعاً بين طبقات المسلمين جميعاً، فهي من ،المعلوم من دين اإلسالم بالضرورة، كاعتقاد وجوب الصالة، والزكاة، وتحريم الزنا والخمر. أما إن كانت تخفى على كثير من المسلمين، ككثير من موارد اإلجماع بين العلماء، فالجهل بها ال ينزع عنها وصف القطعية، لظهور أدلتها وإحكامها، ككثير من .أحكام العبادات والبيوع والمواريث وغير ذلك وهي التي دلت عليها دالئل لكنها لم تصل إلى حد:المرتبة الثانية: األحكام الظنية
الشريعة على فهم مَنْ ؟ القطع، وهذه األحكام قد تكون محل إجماع بين العلماء، فإجماعهم يرفع مشروعية الخالف فيها، وقد ال تكون كذلك بل مسائل خالفية، فإن كان الخالف معتبراً فهو .الداخل في االجتهاد السائغ، وإال كان خالفاً غير معتبر وغير سائغ إذا تبيّن هذا، فالدعوة إلى الشريعة يجب أن تستحضر هذه المراتب، فالخالف واقع في بعض الدرجة الثانية فقط، وهو ما لم تقم عليه أدلة قطعية ولم يكن موضع إجماع، ولهذا فمبدأ تحكيم الشريعة هو في الحقيقة من الدرجة القطعية التي ليس فيها أي خالف، فسؤال (على فهم من؟) يجب أن يكون واعياً أن اختالف األفهام في الشريعة ال يؤثر على التسليم لهذا المبدأ المحكم، إذ هو محلٌّ متفقٌ عليه، فحتى لو خفي عليه بعض األحكام التفصيلية، أو لم يعرف الجواب عن كيفية تطبيق الشريعة في بعض القضايا؛ فيجب أن يحافظ على مبدأ تحكيم الشريعة فال ينقضه الحتمال سؤال لم يحسن الجواب عنه، وهذه قضية منهجية ضرورية يجب العناية بها، فال .يكون التشكيك في جزئيات معينة سبباً لنقض أصول محكمة :القاعدة الثانية: وجود منهج موضوعي للتعامل مع الخالف داخل الشريعة فوجود خالفٍ في األحكام الشرعية ال يعني أن كل خالف مقبول، بل ثم منهجية علمية موضوعية منضبطة يجب االنطالق منها في النظر في أحكام الشريعة، وهذه المنهجية متفقٌ عليها وليست محل خالف، فوجود خالفٍ ال يعني أن كل نظر مخالف معتبر شرعاً، بل ال بد من سلوك المنهج المعتبر في النظر وتوليد األقوال، وهو منهج االجتهاد الشرعي القائم على العلم بالكتاب والسنة، ومعرفة الواقع، ومعرفة مقاصد الشريعة ومآالت تطبيق األحكام. فأي فهم ال يسير على منهج موضوعي ال يعتد .بخالفه لمجرد أنه قد خالف
الشريعة على فهم مَنْ ؟ :القاعدة الثالثة: أن الخطأ في االجتهاد يُحتمل مع التسليم باألصل الشرعي إذا تبيّن وجود مراتب في أحكام الشريعة، ووجود منهج شرعي في النظر لألحكام، فإن هذا يقتضي وقوع أخطاء في الخالف، وهذا الخطأ قد يكون سائغاً في مرتبة األحكام االجتهادية التي ليس فيها نص ظاهر ال معارض له، وقد يكون غير سائغ في األحكام القطعية والمتفق عليها، والحكم على الخالف بأنه غير سائغ ال يعني تفسيق المخالف وال تأثيمه، وإنما هو حكمٌ على المسألة بحسب دالئلها، وأما .من اجتهد وبذل غاية وسعه فأخطأ فال يكلف الله نفساً إال وسعها بل حتى لو تجاوز الخطأ هذا الحد، فوقع الشخص في مخالفةٍ لقطعي، أو لم يكن معذوراً؛ فإن هذا تقصير منه، ويحاسب عليه بقدر ما فرط، لكنه على كل حال أحسن حاالً بكثير ممن نقض األصل الشرعي بالكلية، وهذا يؤكد خطورة التفريط في األصل بسبب وجود خالف، وأن يتفطن المسلم من خطورة التهوين في أصل التحاكم إلى .الشريعة، والرجوع إليها بسبب وجود اختالفٍ في بعض أحكامها القاعدة الرابعة: أن تحكيم الشريعة على الواقع يحتمل مساحة أكبر من :االجتهاد فتطبيق الشريعة في واقع معين يفرض مراعاة مؤثرات جديدة تتعلق بالقدرة واإلمكان، والمصالح والمفاسد المترتبة، وتغير األعراف وغيرها.. وهذه عوامل مؤثرة في تحكيم الشريعة، وهي توسع من مساحة االجتهاد المتعلق بهذا الواقع، إذ ،عمل الفقيه هنا مركب من مسألتين: نظر في األدلة الشرعية الستنباط الحكم الشرعي وهي مساحة قد يقع فيها بعض الخالف؛ وتنزيل للحكم الشرعي المستنبط على الواقع، وهي مساحة أخرى قد يقع فيها الخالف أيضاً، وهو ما يفسر توسع دائرة
الشريعة على فهم مَنْ ؟ الخالف عند تنزيل األحكام على الواقع، إذ نحن أمام مساحتين يمكن أن يقع فيهما .الخالف والمهم هو إدراك أن اتساع الخالف هنا يجب أن ال يمس أصل الرجوع إلى الشريعة أو يطعن فيه، فإذا وجد الشخص خالفاً متبايناً في هذه المنطقة فال يجوز أن ٍيهون بسببه من أصل الرجوع إلى الشريعة؛ ألن الخالف في تحكيم الشريعة في واقع معين هو درجة أخرى من الرجوع إلى الشريعة، فخالفهم في تطبيق الشريعة في واقع معين ال يعني اختالفهم في أصل تحكيم الشريعة، وبناءً عليه فكون الشريعة حاكمة على الواقع ليس محل خالف، وإنما الخالف في شروط الواقع وطبيعته، وتنزيل ما .يناسبه من أحكام شرعية، وهو يحتمل مساحة كبيرة لالجتهاد السائغ أن مقولة (على شريعة من؟) ذات أثر سلبي في التهوين من مرجعية والخالصة الشريعة في نفوس بعض الناس، فهو مسلم ويرى أن الشريعة حاكمة وال يحمل في قلبه رفضاً لها، لكنه يجد االختالف مشكالً عليه، فقد يكون هذا سبباً لعدم االعتداد بمرجعية الشريعة عملياً ولو كان يؤمن بها نظرياً، وهذا مدخل خطر يؤثر في فكر المسلم وقلبه، والواجب أن يكون واعياً بهذا، فوجود اختالف في شيء ال يلغي حجيته، فالشريعة حجة ولو وقع خالف فيها، إذ الخالف ليس واقعاً في كل الشريعة وإنما في بعض أحكامها، وهذا الخالف محكوم بمنهج علمي في النظر في كيفية التعامل معه. ولو جهل المسلم كل هذا واكتفى بالتسليم بأصل حاكمية الشرع ولو خفيت عليه التفصيالت، فهو متمسك بأصل ال يجوز أن يُنقض بسبب تشكيك في .جزئيات ال يحسن المسلم الجواب عنها