هم يسمحون لنا ببناء المساجد فلماذا ال نسمح لهم ببناء الكنائس؟ وهم يسمحون للمسلمين بالدعوة إلى اإلسالم فلماذا ال يُسمح لهم بمثل ذلك؟ وهم يهنئوننا بأعيادنا الدينية فلماذا ال نقابلهم بالمثل؟ ًومقوالت أخرى تُكرر المعنى ذاته: كما أن غير المسلمين يفعلون معنا شيئا !معيناً، فلماذا ال نقابلهم بالمثل فنفعل لهم الشيء نفسه؟ ،صاحب هذه المقولة يستند إلى ما يتوهمه مندرجاً تحت قاعدة العدل المعروفة فإذا أحسن إليك شخصٌ ما عليك أن تقابل إحسانه بإحسان، بل قد يظن بعض الناس .أن مقتضى الفضل األخالقي هنا أن تتجاوز هذا فتعامل الناس كما تحب أن تُعامَل وبعيداً عن مناقشة بعض القراءات الرومانسية الحالمة للواقع، والتي تصبغ المجتمعات الغربية بألوان من التسامح تتجاوز حقائق الواقع، وتتغافل عن كثير من التعقيدات النظامية اإلجرائية الموجودة عندهم، وأنهم كثيراً ما يفرقون في تعاملهم بين ما كان من أعرافهم وتقاليدهم وأديانهم وما كان وافداً عليهم منها، وقد يتجاوزون ذلك إلى مصادرة عدد من الحقوق، كأن يفرضوا على المسلمين ما يخالف دينهم، أو .يمنعوهم مما يجب عليهم كمنع النقاب، أو بناء المساجد، أو إعالء المآذن، أو غير ذلك فاإلشكال مع هذه المقولة أنها تنسى في غمرة الخضوع ألوهام المساواة والعدل مسلَّمة بدهية، وهي أن كل شخص له مرجعية عُ ليا يحتكم إليها في معرفة الصواب والخطأ، وتحديد الحق والباطل، فال يصح أن يخضع لضغط الحالة النفسية والهوى .الخاص في مقابلة الشيء بمثله فيقع في مخالفة هذه المرجعية وتعطيلها
فمع اإلقرار بحسن مقابلة إحسان اآلخرين بمثله، بل أن يتجاوز المرء ذلك إلى ٍالفضل واإلحسان، لكن حين تكون هذه المقابلة ناقضة ألصل قطعي، أو مخالفة ألمر أو نهي شرعي، فإن الوضع يجب أن يختلف تماماً، فال يصح شرعاً وال عقالً أن نفكر بخيار المقابلة بغض النظر عن طبيعة هذه المقابلة، بل يجب أن تكون المقابلة غير .مخالفة للشريعة ٍوفي األمثلة السابقة في أول الكالم نجد أنها تتضمن دعوة إلى مخالفة أحكام وأصولٍ شرعية واضحة لمجرد تحقيق المقابلة، فبدالً من أن نخضع مثال المقابلة ًإلى أصول شرعنا، أصبح شرعنا محكوماً بهذه المقابلة، فالحكم عندنا يكون حراما ومنهياً عنه لما فيه من ضرر وفساد، لكن إذا فعلوا لنا شيئاً مثله فيجمل بنا أن نتخلى عن !أحكامنا، ونجعله مباحاً من باب المقابلة إن المسلم يتبع حُ كم الشريعة في أوامرها ونواهيها، فإذا كانت المقابلة مما ال تمنع ،منه الشريعة فال إشكال هنا في المقابلة بالمثل، وقد جاءت الشريعة بتقرير هذا األصل }{وإذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا :وأمرت بمقابلة اإلحسان بإحسان [النساء: ٦٨]. بل جاءت الشريعة بما هو أشرف وأجمل من بذل البر واإلحسان، وهو {ال يَنْهَاكُمُ اللَّ ُ عَنِ الَّ ِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِ ادلِّينِ وَلَمْ يُ ْرِجُوكُم مِّن :قدر زائد على محض العدل .][الممتحنة: ٨ }َدِيَارِكُمْ أَن تَبَ ُّوهُمْ وَتُقْسِطُ وا إلَ ْهِمْ إنَّ اللَّ َ يُ ِبُّ الْـمُقْسِطِني واألمر يقوم على بدهية شرعية تتصل بمنطق الحق والباطل في التصور اإلسالمي وما يترتب على كل واحد منهما من أحكام وآثار، فاإلسالم جاء بمنظومة من التشريعات العقدية والعملية انطالقاً من حقيقة كونه حقاً وما سواه باطل، ولذا صح فيه أن يكون فرقاناً بين الحق والباطل، ال على مستوى التصور النظري أو الحكم األخروي فحسب، بل على المستوى العملي، وفق منظومة تشريعية يميز من خاللها
بين قيم الحق وقيم الباطل، وتنتفي فيه المساواة بينهما، فالحق متمايز عن الباطل ]. وتميز الشريعة بين٣٢ :[يونس } ُ{فَمَاذَا بَعْدَ الْـحَقِّ إلَّ الضَّ الل :والتسوية بينهما ظلم )#^^٩١# ُ {وَمَا يَسْتَوِي األَعْمَ وَالْ َصِ ري:حَ مَلَةِ الحق وحَ مَلَةِ الباطل، فالطائفتان ال يستويان َّ وَمَا يَسْتَوِي األَحْيَاءُ وَال األَمْوَاتُ إن)#^^١٢# ُ وَال الظِّ لُّ وَال الْـحَرُور)#^^٠٢# ُوَال الظُّ لُمَاتُ وَال انلُّور {أَمْ نَ ْعَلُ الَّ ِينَ آمَنُوا .]٢٢ - ١ [فاطر: ٩}ِاللَّ َ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِ الْقُبُور َ {أَمْ حَسِب.]٢ [ص: ٨}ِوَعَمِلُوا الصَّ الِـحَاتِ كَ لْـمُفْسِدِينَ فِ األَرْضِ أَمْ نَ ْعَلُ الْـمُتَّقِنيَ كَ لْفُجَّار الَّ ِينَ اجْتَ َحُوا السَّ يِّئَاتِ أَن نَّ ْعَلَهُمْ كَ لَّ ِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّ الِـحَاتِ سَوَاءً مَّ ْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا ُ{ال يَسْتَوِي أَصْ حَابُ انلَّارِ وَأَصْ حَابُ الْـجَنَّةِ أَصْ حَابُ الْـجَنَّةِ هُم .]٢١ :[الجاثية }َيَ ْكُمُون .]٢ [الحشر: ٠}َالْفَائِزُون واألمثلة والشواهد على الممايزة بين الحق والباطل وأصحابهما في تفاصيل التشريعات العملية أكثر من أن تُذكر في أبواب العبادات والجنايات والحدود .والمواريث واألنكحة واألطعمة والشهادة والوالية والحضانة وحرية التعبد، وغيرها وخذ هذه الشواهد مختصرة للتدليل على سعة الشبكة التشريعية التي تؤكد بدهية {يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا ال تَتَّخِذُوا الْ َهُودَ وَانلَّصَ ارَى:نفي المساواة بين حق الحق وحق الباطل }َأَوْلِ َاءَ بَعْضُ هُمْ أَوْلِ َاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّ َ ال يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّ الِـمِني {يَا أَيُّهَا .]١٤١ : [النساء} ً{وَلَن يَ ْعَلَ اللَّ ُ لِلْكَ فِرِينَ عَ َ الْـمُؤْمِنِنيَ سَبِيل .]٥١ :[المائدة .]٢[التوبة: ٨ }الَّ ِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْـمُشْ ِكُونَ نَ َسٌ فَال يَقْرَبُوا الْـمَسْجِدَ الْـحَرَامَ بَعْدَ عَ مِهِمْ هَذَا {وَال .]١١[آل عمران: ٨ } ً{يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا ال تَتَّخِذُوا بِطَ انَةً مِّن دُونِكُمْ ال يَأْلُونَكُمْ خَبَال َتَنكِحُوا الْـمُشْ ِكَ تِ حَتَّ يُؤْمِنَّ وَألَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْ ٌ مِّن مُّشْ ِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَال تُنكِحُوا الْـمُشْ ِكِني ِحَتَّ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْ ٌ مِّن مُّشْ ِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إلَ انلَّارِ وَاللَّ ُ يَدْعُو إلَ الْـجَنَّة ٍ {فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات.]٢٢١ :[البقرة }َوَالْـمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ وَيُبَيِّ ُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون
{وَال تَأْكُلُوا .]١ [الممتحنة: ٠}َّفَال تَرْجِعُوهُنَّ إلَ الْكُفَّارِ ال هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَال هُمْ يَ ِلُّونَ لَهُن .(((»].. «ال يقتل مسلم بكافر١٢١ :[األنعام } ٌمِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّ ِ عَلَيْهِ وَإنَّهُ لَفِسْق . و«أخرجوا المشركين من جزيرة(((»و«ال يرث المسلم الكافر وال الكافر المسلم .(((». و«من تشبه بقوم فهو منهم(((». و«ال يترك بجزيرة العرب دينان(((»العرب هذه بعض الشواهد المختصرة، وهي كافية في التأكيد على هذه الحقيقة الشرعية المحكمة، وهي تغني عن االستطراد واالستغراق في ذكر الفروع الفقهية الناشئة عن هذه الشواهد في مختلف األبواب الشرعية، وهي كلها تصب في التأكيد على قاعدة : من قواعد الشريعة تتابع العلماء على ذكرها، ولفظها مأخوذ من حديث النبي . وذلك أن اإلسالم حق، وما سواه باطل، والباطل(((»«اإلسالم يعلو وال يعلى عليه .ال يعلو على الحق بحال ،وفي ضوء هذا فال يصح أن تُضفى شرعية على الباطل بذريعة المقابلة بالمثل فال يلزم من إعطاء حقِّ الدعوة للشريعةِ الحقّ أن يُعطى الباطل المصادم للشريعة ذات الحق، فالمسلم ينطلق في تصوراته من كون اإلسالم حقاً، ويتعامل مع األفكار المخالفة له على أساس أنها باطل ليس لها ذات الشرعية، وبناء عليه؛ فال ينبغي أن يجد في نفسه أي تناقض إطالقاً حين يفسح المجال للحق ليعمل في الواقع ويجهد .في منع جيوب الباطل أن تتمدد . أخرجه البخاري((( . متفق عليه((( . متفق عليه((( . أخرجه مالك في الموطأ، وأحمد. وحسنه األلباني((( . أخرجه أبو داود. وصححه العراقي. وقال ابن حجر: ثابت وإسناده حسن((( .)275/3( ذكره البخاري معلقاً بصيغة الجزم. وأخرجه الطحاوي موصوالً في شرح معاني اآلثار(((
،إن هذه الرؤية الشرعية المحكمة تعارض من يريد تقرير لزوم المقابلة بالمثل فهو ال يستحضر وجود رؤية فكرية حاسمة تجعل من نفسها منفردة بوصف الحق في مقابل الحكم ببطالن الرؤى المضادة لها، بل كثير من هؤالء يتبنى القول بنسبية ،الحقيقة وعدم إمكان امتالكها، وهو ما يمكن أن يفسر مشكلة تبني مثل هذه المقولة إذ هو متأثر بتبني رؤية سائلة في محاكمة الحق والباطل، ليس لديها وضوح في الحدود .الفاصلة بينهما، بما سيفرز المطالبة بمساواة الحق بالباطل ربما يقول بعضهم معترضًا: لكننا ال نرى أن هذه األمور محرمة شرعًا؟ وهذا تصحيح للمقولة وعودة بها إلى محل البحث الحقيقي: هل هذا األمر المعين المخصوص مما تقبل الشريعة المقابلة بمثله أم ال؟ فهذا انتقال صحيح لمحل ،بحثٍ مشروع، وهو يوجب النظر في هذه القضايا والسعي إلدراك حكم الشريعة فيها فإن كانت مقبولة شرعاً قُبلت وإال ردت. ويجب أن يكون المسلم واعياً لئال يخضع .لمثل هذه المقولة التي تأتي حاكمة على الشريعة من حيث ال يشعر الجواب عن أي سؤال يقول: هم يفعلون لنا فلماذا ال نفعل لهم كما يفعلون؟،ًإذا أن نقول: إن لنا مرجعية نحتكم إليها، وعنها نصدر فيما نأتي ونذر، ومن خاللها ننطلق في بناء تصوراتنا ومفاهيمنا، وأما اآلخرون فلهم تصوراتهم ومفاهيمهم المنسجمة .مع مرجعياتهم ومن خطورة هذه المقوالت أنها تتسبب أحياناً فيما يمكن أن نسميه (تبديل .المرجعية)، فيتحول الشخص من مرجعية إلى مرجعية أخرى وهو ال يشعر :فحين نأتي إلى هذا السؤال المشهور لماذا ال نعطي الكفار من الحرية في التدين، واللباس، وبناء المعابد، كما هو
متاح من حريات في النظام العلماني الغربي، ولماذا تنكرون عليهم أي انتهاكٍ لحقوق المسلمين في مقابل أنكم ال تضمنون لهم مثل هذه الحقوق، وال ترون أن في منعهم منها أي انتهاك، بل قد تباركونه؟ يتورط بعض الناس في الجواب عن هذا اإللزام فيضطر أن يَطَّ رِدَ في الجواب فيقول: بل الحريات مكفولة لهم في نظامنا اإلسالمي بذات الطريقة التي يحفظون بها .حريات المسلمين، فلهم حرية اللباس والتعبد والدعوة كما لنا من حرية في بالدهم ،)الذي حصل هنا أن مقولة (نسمح كما يسمحون لنا) تسببت في (تبديل المرجعية فتحول مثل هذا المجيب من تبني (الشريعة اإلسالمية) مرجعيةً حاكمة على الحريات يَخضعُ لها النظام السياسي، إلى تبني المرجعية الليبرالية لتكون هي الحاكمة، فحقيقة هذا الجواب مبنية على تبني الفكر الليبرالي القائم على الحرية التي ال تعتد بأي !محظورات دينية، فهروباً من جواب مشكل تبنى المجيب تبديل المرجعية وهذا يكشف لك عن خطورة االرتهان لمثل هذه المقوالت من دون وعي .بحقائقها، وما تضمره من لوازم أضف إلى ذلك: أن منطق مقابلة اآلخرين بمثله يصح أن يكون معتبراً في حدود معينة، كما اعتبرتها الشريعة، مقابلة في حدود ما ال يخالف الشرع، وأما جعل ذلك أصالً كلياً بحد ذاته فهو تفكير موغل في السذاجة والسطحية، وال تجد أي منظومة فكرية يمكن أن تطبقه، فكل مذهب أو دين أو تيار يمتلك أصوالً وأحكاماً يحافظ عليها، ومن اعتماده عليها يصوغ رؤيته للحياة، وال يمكن أن ينقض ذلك لمجرد أنه .وقع في مأزق المقابلة ،ولهذا، فالنظام الغربي حين كفل الحريات لم يكفلها من باب المقابلة ألحد ولم يصغ نظامه مراعياً فيها أحداً، إنما انطلق معتمداً على مرجعيته الفكرية ومصلحته
،الخاصة، ولو وجد شيئاً من ذلك يضر بمصلحته فإنه سيعيد تشكيل ذلك بناءً عليه ولن يفكر بتاتاً بطريقة أننا سنعطيهم في مقابل ما يعطوننا، إنما هذا التفكير الهزيل ينشأ ًمن ضعف بعض المسلمين حين يريد أن يصوغ نظامه السياسي واالجتماعي وفقا لمرآة الثقافة الغربية، فما دام أنهم يفعلون شيئاً فيجب أن نفعل مثله، بدون أي اعتبار !ألي أصول أخرى