) العَلْمانية هي الحل27( تظهر هذه العبارة حيناً وتخفت في حينٍ آخر بحسب حالة النفور المجتمعية من العلمانية، فإذا ارتفعت حدة النفور في مجتمعٍ معين النتشار الوعي بحقيقة الفكرة العلمانية وما فيها من رفض للدين وعداء له، انسحبت هذه العبارة من المشهد وضعف .تداولها، فإذا خفّت حدة النفور المجتمعي طفت هذه المقولة إلى السطح وانسحابها من فضاء التداول العام بسبب تديّن المجتمع ورفضه لها، ال يعني انعدام حضورها بالكلية في هذا الفضاء، لكن هذه المقولة تتفتت لتظهر في صورة مقوالت أخرى تحمل ذات الداللة، لكن بعبارات مواربة، وأقل مكاشفة، تسعى إلى تقديم مفاهيم .العلمانية كطوق نجاة للمجتمعات المسلمة وإن لم تنص صراحة على لفظة العلمانية وإذا فحصنا بدقة هذه المقولة وتساءلنا: العلمانية حل ألي شيء؟ فباإلمكان أن :نستخرج إجابات عدة تشكل كل إجابة مقولة خاصة تحتاج إلى معالجة المقولة األولى: العلمانية حل للخالص من االستبداد والطغيان ما من شك في أن النفوس السوية تبغض االستبداد والطغيان، فمن الذي يريد أن يعيش في ظل االستبداد والطغيان والفساد؟ فهذا أمر فطري يتفق الجميع عليه، والكل ينشد مجتمعاً تسوده العدالة وحفظ الحقوق والحريات، وال يقع فيه ظلم أو طغيان أو تعدٍّ. وهكذا تأتي هذه المقولة هنا لتلعب على وتر هذه العاطفة الجياشة في محبة الحقوق والعدالة والحرية، سعياً لتمرير فكرة العلمانية، فهي بحسب هذه الدعوى .الحل والطريق الموصل إلى هذه الجنة المنشودة
العَلْمانية هي احلل ما عالقة العلمانية في التخلص من :ًلكن السؤال الصعب والذي يستدعي جوابا هذا النظام االستبدادي الطغياني؟ وهنا ينكشف إشكال هذا االختزال والتسطيح، وتأتي اإلجابات المتعثرة التي ،ال تستند إلى جواب علمي موضوعي صحيح، لتضعف قيمة هذه المقولة بالكامل فالعدالة والحرية والكرامة ال تتحقق بمجرد رفع شعاراتٍ وتنميق كلماتٍ ، بل هي تتطلب نظاماً متكامالً وثقافة عامة ومؤسسات قوية.. وهذا يتجاوز بسنوات ضوئية الترف الفكري الذي يبتعد عن البحث في األسباب الحقيقية لعالج المشكلة إلى فتح !مشكلة جديدة ال عالقة لها بأي عالج ًسيقال هنا: وماذا عن النظام العلماني في العالم الغربي الذي قدم نموذجاً قويا لحفظ الحقوق والحريات ألوطانهم؟ ،والجواب بعيداً عن مناقشة تفاصيل ما يندرج في مفهوم الحرية وحفظ الحقوق وهل هي مقبولة في التصور الشرعي أم ال. نجاح تجربةٍ علمانيةٍ معينة في مكان أو فالعلمانية في الثقافة الغربية مرتبطة بتجربة تاريخية طويلة مليئة بالعالقات المتشابكة بين عقائدهم الدينية وحكوماتهم الدنيوية، وتمخض عن هذه التجربة المرهقة هذا الخيار، فأنشؤوا بناءً عليه مؤسساتهم، وشكلوا أنظمتهم، وعززوا ثقافتهم، فهو خيار له خصوصيته، ونجاح العلمانية في سياق معين في تحقيق بعض مظاهر العدل والحرية ال يعني أنها ستنجح في كل سياق، وكما وُجدت أنظمة علمانية لديها قدر عالٍ من المحافظة على الحقوق والحريات، فلقد وجد في المقابل من األنظمة العلمانية من سحق اإلنسان، ودمر المجتمعات، وأنهك الحقوق، فالتفكير في حفظ الحقوق من .بوابة العلمانية سذاجة في الوعي الفكري والتاريخي
العَلْمانية هي احلل وبناءً على ذلك، فاستنساخ هذا الخيار وتعميمه على جميع الناس هو من قبيل الكسل الفكري الذي يتعطل فيه عقل اإلنسان فال يكاد يفكر بغير منظار اآلخرين، بل ًهو يعبر عن انكسار نفسي تتهشم فيه المناعة الذاتية للشخص فال يظن أن هناك طريقا .للنهوض إال بتقليد خطى اآلخرين فإذا ما فككنا بُنى العلمانية ونظرنا فيها، وفيما ولّدته في الواقع من مظاهر أودت بنزع القداسة عن كل شيء، وأفضت إلى سلخ مختلف الجوانب الحياتية من القيم واألخالق، وأدت إلى تسليع اإلنسان وجعله مجرد أداة استهالكية، وغير ذلك من مشكالت؛ علمنا مدى سذاجة التعلق بمثل هذه الشعارات لتقديم حلولٍ لتعقيدات .الواقع إذاً، الخالص من االستبداد والطغيان، والبحث عن الحقوق والحريات، دافع !نفسية تسكن المتأثرين بالعلمانية ألنهم يرغبون في العلمانية المقولة الثانية: العلمانية حل للخالفات العقدية والدينية وهنا يأتي الحديث عن الخالفات العقدية الكبرى بين الناس، فيسترسل صاحب هذه المقولة متحدثاً عن حجم االختالفات بين األديان، شارحاً طبيعة االختالفات الواقعة داخل كل دين، وحاكياً ما في الواقع من مذاهب متناحرة، وما ،يقع بينها من تكفير وقتال واحتراب، وكله بسبب االختالف في الدين والمعتقد وهو ما يمكن تلمّسه من خالل التاريخ وفي معطيات الواقع، فالحل هو في العلمانية التي تُحيّد هذه األفكار جميعاً فال يكون لها أي أثر سلبي في واقع الناس .وتفاعلهم مع بعضهم
العَلْمانية هي احلل وال شك في أن االختالف في الدين والعقائد أحد مسببات وقوع الخصومات الشديدة بين الناس، وقد تقع بسببها مظالم وانتهاكات حقيقية، وقد ارتضت الثقافة الغربية أن تأخذ العلمانية مسلكاً لحل هذه الخالفات، نظراً لطبيعة التجربة التاريخية ،للدين عندهم، حيث ضعف مفهوم الدين، وكثرت الخصومات فيه، وجرى تحريفه .فكان ال بد من نظام آخر بديل المشكلة هي في تعدية هذه التجربة إلى التاريخ اإلسالمي، فهي تعدية تعبر عن غلط كبير، وقصور فاضح في إدراك حجم الفروقات بين سياق حضاري معين وسياق حضاري آخر مباين له؛ فالهيمنة في التاريخ اإلسالمي كانت لحكم الشريعة طوال ثالثة عشر قرناً، تعاقبت فيها دول في أمصار مختلفة وأزمنة متباينة، ولم يفكر أحد طوال هذه القرون بأن المشكلة في الدين نفسه، وإنما أرجعت أسباب الظلم والخصومات ألمور أخرى، أما الدين فكان محل اتفاق بين الجميع وإن اختلفوا في بعض تطبيقاته وأحكامه، فالحقيقة أن العودة إلى الدين هي الضمان للحقوق وللفصل .بين الخصومات ولقطع النزاعات، وأما إلغاؤه فسيفتح المزيد من الخصومات فاإلسالم هو الدين الضامن إلقامة العدل بين الناس، فالمُ طَ الب بمحاصرته بالفكرة العلمانية، وإلغاء سلطانه في الفضاء العام، أو المجال السياسي، هو في الحقيقة قائلٌ بلسان الحال والمقال أن اإلسالم ليس هو الدين الحق، وأن تحكيمه وتطبيقه ال يمثل الهداية المرجوة للبشر، وأنه ال يشتمل على ضمانات العدل المطلوبة. ولن نعجب من جريان مثل هذا الكالم على لسان كافر بهذا الدين، فهذا أمر متصور وهو يوجب مباحثة هذا الكافر في صحة دين اإلسالم وبيان ما يشتمل عليه من محاسن ،وفضائل، إنما العجب من مُسْ لمٍ يعتقد صحة هذا الدين ثم يستبطن مثل هذا التقرير حيث إن االعتراف بصحة اإلسالم وأنه من عند الله يوجب على صاحبه أن يعتقد أن .تمام الهداية والعدل ال يكون إال في تحقيقه وتحكيمه
العَلْمانية هي احلل إن حقيقة هذه الدعوى تقوم على فكرة ساذجة، هي أنه وبسبب وجود خالفٍ بين المسلمين في بعض جزئيات الحكم اإلسالمي، فالحل هو في إبعاد اإلسالم عنكم بالكلية، وفرض نظام مخالف لدينكم، ال ترضون به، وال تعتقدون صحته، فتكرهون .عليه بالقوة، ألنه هو الحل والحقيقة أن هذا ال يتضمن أي حل صحيح، ففرض قوانين العلمانية على الناس بالحديد والنار، وتحييد الشريعة بالقوة، ال يعني أنك قدمت حالً، وإنما حكمت الناس بالقوة، والقوة يمكن أن تحكم بالعلمانية أو بأي نظام آخر، وال يعني هذا أنها قدمت الحل، فحقيقة الحل العلماني هي دعم التغيير القسري واإلبعاد الجبري لحكم ال- بسبب سلطة القوة- الشريعة، ثم إقناع الناس بعد ذلك بأن هذا هو الحل، ألنكم !تملكون حالً غيره، وأي حل آخر هو مرفوض بمنطق القوة ال بقوة المنطق وثمّ معنى مركزي يجب أن يكون حاضراً في ذهن القارئ هنا، وهو أن النظم السياسية ال تنشأ في الواقع بناءً على اقتناع جميع الناس بها، فيتشكل النظام بطريقة تكون مقنعة للجميع، فهذا تصور مثالي ال وجود له في واقع البشر، فالنظم تفرض نفسها ثم تجتهد في إقناع الناس بعدالة قضيتها وحسن نظامها، وهي مدركة أنها مهما بلغت غاية الكمال في اإلقناع وفي تحقيق العدل فإن ثم شريحة من الناس لن تكون .راضية عن هذا النظام، لكن هذا لن يحول دون قيام النظام نقول هذا لنقرر أننا حين نقرر مشروعية حاكمية الشريعة فإننا ندرك أنه ال يمكن إقناع جميع من سيُحكم باإلسالم بهذا النظام، خاصة حين يكون غير مؤمن به، فليس ًبخافٍ أن غير المسلم يفضل أن يُحكم بدينه، لكن هذا المعنى ال يصح أن يكون سببا ،ألن نلغي حكم اإلسالم الذي نؤمن به، ونحرم المسلمين من الخضوع لشريعة ربهم ونعطل بلدانهم من النظام الذي كان يحكمهم طيلة قرون. ال يمكن أن نلغي هذا كله
العَلْمانية هي احلل لمجرد البحث عن إقناع جميع الناس بهذا الخيار، فهذا ال يمكن أن يتحقق، فهو لم يتحقق ألي نظام ولن يتحقق، وإنما الواجب أن يكون البرهان جلياً على أن هذا النظام .سيضمن العدل للجميع، ال أن يقتنع الجميع بأنه أحسن لهم من غيره وهذه سمة كل نظام، فالنظام الليبرالي يعرف أن ثم شرائح متباينة ترفض هذا الخيار، لكنه لم يتوقف عن االقتناع بأحقيته في الحكم، ولم يذهب للبحث عن خيارات جديدة بديلة عنه تكون أفضل لجميع الناس، وإنما يسعى من خالل التطبيق .ألن يثبت أنه هو الخيار األفضل إذا استحضرت هذا أدركت سذاجة التفكير بجلب العلمانية ألجل وجود فئة معينة من الناس لن ترضى بحكم الشريعة، والظريف هنا أن إرضاء هذه الفئة القليلة !يستلزم فرض نظام ال يقبل به األكثر المقولة الثالثة: العلمانية حل لفهمٍ أفضل للدين فالعلمانية في نظر صاحب هذه المقولة ال تحمل في طياتها عداءً للدين، وال تحمل أي مخالفة له، بل هي تقدم العلمانية كسبيل أمثل لفهم صحيح وعقالني للدين .في مقابل األفهام الضيقة والتفسيرات المتشددة له فالعلمانية تعيد الدين إلى وضعه الطبيعي في كونه عالقة بين العبد وربه، عالقة روحانية صادقة ال يحكمها أي قيد خارجي أو إكراه، فهذا المفهوم العلماني للدين هو .في نظرهم المفهوم الصحيح للدين وهو في الحقيقة فهمٌ للدين في ضوء معيار أجنبي عنه، وليس فهماً للدين كما هو في نفسه، فالعلماني ال يفهم الدين وفق مبادئ الدين وأصوله وأحكامه، وإنما يفرض أصول العلمانية على الدين، فيكون الدين مقيداً بحسب المرجعية العلمانية وأدوات
العَلْمانية هي احلل الفهم المتعلقة بها، وبطالن مثل هذا الكالم ال يتطلب الكثير من النقاش ممن عرف حقيقة الدين وطبيعته، إذ كل مسلم يعرف خطأ هذه الرؤية للدين بداهة، فاإلسالم التي يعرفونها؛ الذي يدينون به، وكتاب ربهم الذي يقرؤونه كل يوم، وسنة نبيهم مخالفة تماماً لهذه الصورة، فال يمكن لمسلمٍ صحيح اإليمان أن يقبل مثل هذا الكالم وال أن يصدقه، فهو يدرك أن اإلسالم ليس مجرد عالقة محدودة في دائرة ضيقة يتصل ًفيها العبد بربه، فهذه العالقة جزء من الدين لكنها ليست الدين كله، كما أنه يدرك أيضا أن اإلسالم ليس مقيداً بحدود معينة ال تتجاوز الحرية الفردية للشخص في مقابل حريات مضادة لغيره، بل هو يتمدد في الواقع بما هو أوسع من هذا ليكون هو الحاكم .المهيمن في حياة الناس في مختلف التفاصيل إذاً، الفهم الصحيح للدين عند العلمانية هو أنهم يأخذون الدين ويفسرونه وفق الحدود العلمانية بال نظرٍ في الدين وال نصوصه وال أصوله وال تطبيقاته وال أي شيء آخر، ثم علينا بعد ذلك أن نقبل منهم هذا التفسير ونشكرهم عليه ونقلدهم فيه، ألن !هذا هو منطق العقل وحرية التفكير المقولة الرابعة: العلمانية حل لعدم توظيف الدين في الخصومات السياسية لبيان- الصحيحة والمكذوبة- وتحت هذه المقولة تحشد القصص واألخبار صور توظيف الدين في السياسة، سواءً في هذا العصر أو في التاريخ اإلسالمي المتقدم، أو في تواريخ الثقافات والشعوب األخرى، لتلعب على وتر العاطفة النافرة .من توظيف الدين لتقبل بالعلمانية ،وحين يُحيّد العاقل عاطفته ويفكر في هذه المقولة بشكل موضوعي صحيح فإن واقع التوظيفات السياسية للدين ال يفضي إلى مثل هذه النتيجة العلمانية الغريبة بوجوب تعطيل الدين من الفضاء السياسي، إذ كل المعاني الجميلة وغير الجميلة
العَلْمانية هي احلل يمكن أن توظف، فالحرية والديمقراطية واإلنسانية والحقوق واألمن والعدل والوطنية والقومية وغيرها، كلُّها وظِّ فت سياسياً، وارتكب باسمها جرائم وفظاعات كثيرة، وجرى انتهاك عظيم لحقوق اإلنسان ممن كان يتمسح بها، فلماذا ال يطالب !بإلغائها جميعاً حتى ال توظف؟ ال أحد يقول هذا، الدين فقط هو الذي يمارس معه هذه الطريقة الهزيلة في التفكير، بأن وجود من يستغل الدين يعني أن نلغي الدين، وكأن الواجب أن يكون حكم الدين حكماً من عند رب العالمين ال سهو فيه وال خطأ وال ظلم مثقال ذرة، أو .نلغي حكم الدين من الوجود بالكلية، وال شك في أن هذا تفكير موغل في التطرف من يريد تصحيح هذا الشأن فالحل هو في وضع الضمانات التي تحول دون توظيف الدين خطأ، أو استغالله في ارتكاب ما يخالفه. هذه الضمانات من مؤسسات وأدوات وثقافة عميقة هي التي يجب أن تستحدث في الواقع وأن تعمق في وعي الناس وحسهم لتمنع أي شخص أو جماعة أو نظام من استغالل الدين لتوظيف انحرافاته، وأما إلغاء الدين بالكلية لمنع االستغالل فهو غلط في التفكير، وهو في الوقت نفسه خيار غير عملي؛ ألن الناس لن يتركوا الدين لمجرد أنك قد تركته، بل سيبقى من يطالب بتطبيق الدين بصدق، ومن يريد توظيفه بالباطل كذلك، ولن يكون .لمثل هذه الطريقة أي ثمرة عملية سوى العبث بدين صاحبها ورميه في أتون الشبهات إذاً، فالعلمانية ليست حالً لشيء، بل هي استنساخ بليد لمشكلة ثقافية في التاريخ الغربي، ولطبيعة عالقاتهم مع دينهم المحرّف، جرى نقلها بكسل فكري إلى عالمنا اإلسالمي، لتفسد تصورات الناس بال ثمرة حقيقية في حفظ حقوق الناس، وال تطبيق .العدل بينهم، بل هي في الحقيقة أكبر عائق أمام أي دعوة حقيقية للعدل والحقوق