) بال وصاية34( كل حرٍّ عاقلٍ بالغٍ رشيدٍ فإنه ينكر أحقية أن يكون أحد وصيّاً عليه، فالوصاية سلطة قهرية تُفرض على اإلنسان، تحول بينه وبين تصرفاته وحقوقه. وبطبيعة الحال فإن مثل هذا المعنى مرفوض عند الناس، وال يقبل أحد أن يكون ثمَّ وصاية من أي .شخص أو جهة عليه حسناً، أين المقولة الفاسدة في الموضوع؟ الفساد يظهر في بعض استخدامات هذه المقولة وتوظيفاتها، فإشكالية بعض المقوالت ال تقتصر على وجود معنى باطلٍ فيها، بل قد تكون في بعض التوظيفات الخاطئة لها. وهذه المقولة هي من جنس تلك المقوالت التي جرى استخدامها وتوظيفها في عصرنا في سياقات كثيرة تعود إلى معنى واحد، وهو: رفض بعض الحق بدعوى أنه يشتمل على نوع وصاية. والمشكلة هنا في تعدية الوصاية إلى غير ،مجالها، واستغالل النفور النفسي من كلمة الوصاية للتنفير من بعض صور الحق وهو ما ينكشف سريعاً عند رفض بعض الناس بعض صور التواصي بالحق، والنصح بالخير، أو األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بذريعة ما تتضمنه مثل هذه األفعال .من وصاية ،فالشريعة جاءت بشعيرة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلقامة دين الله ومنع التجاوز على حرماته، وحفظ حقوق الناس في دينهم ودنياهم، وكل مسلم عليه نصيب من هذا الواجب بحسب استطاعته وقدرته وعلمه. فمحرك القيام بهذه الشريعة شعور المسلم بواجبه الشرعي، وانتصابه للقيام بأمر الله تعالى، إضافة إلى دافع أخوي
بال وصاية بالنصح للمسلمين وبذل الخير لهم، والتواصي معهم على الحق واإليمان، وهو معنى .متفق عليه ال يختلف عليه المسلمون في الجملة الذي حدث في عصرنا أن بعض تطبيقات هذه الشعيرة أصبحت توصف بأنها من قبيل الوصاية المنبوذة، وأن من يأمرك بمعروف أو ينهاك عن منكر فإنه يمارس وصايته :عليك، وهذا فيه تضليل من جهتين فالوصاية أن تمنع اإلنسان من تصرفاته:األولى: التضليل من جهة مفهوم الوصاية ،المالية والبدنية بال حق، وليس منها أن تمنعه من الفعل الضار أو تأمره بالفعل الحسن فاألنظمة المعاصرة تفرض قائمة طويلة من الممنوعات، وقائمة مثلها من األوامر التي يلتزم الجميع بها، ويرون فيها تحقيقاً لمصلحتهم ودفعاً لما يضرهم، ولم يقل أحد إن .هذا من قبيل الوصاية عليهم تضليل من جهة تسمية الحكم الشرعي باألسماء المنفرة: وهذا أسلوب :الثانية {إِنِّ ٓ أَخَافُ أَن :قديم في رفض الحق بتوظيف التسميات المنفرة عنه، كما قال فرعون .]٦٢ : [غافر}َيُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡ هِرَ فِ ٱلۡ َۡرضِ ٱلۡفَسَاد سيقال هنا: لكن الخالف في مفهوم المعروف والمنكر وليس في األمر بجنس المعروف أو النهي عن جنس المنكر، فمحل النقد هو لمن يأمر بما ليس بمعروف، أو .ينهى عما ليس بمنكر وهنا ينتقل البحث في تحقيق ماهية المعروف والمنكر، وتحقيق مناطاتهما في الواقع، وحل ما قد يعرض في هذا الباب من أخطاء، وهذا كله جزء من التفكير الصحيح في المقوالت المعاصرة وكيفية التفاعل اإليجابي معها، وذلك بالضغط عليها ومساءلتها وتفكيك بنيتها لتحييد المعنى الباطل منها، والكشف عما فيها من حقّ أو ما يحتمل أن يكون كذلك. وهنا يجب أن يكون النقاش في تحديد القضية
بال وصاية المختلف فيها هل هي من الواجبات الشرعية التي يجب االلتزام بها، أم ليست كذلك؟ وهذا التمييز ضروري لوضع حدٍ فاصل يحول بين المفاهيم الباطلة أن ال تتمدد في .المساحات المحتملة