) الدين ليس هشاً حتى يُخاف عليه33( تمثّل هذه المقولة وصفاً صحيحاً ال يُختلف عليه، فدين اإلسالم قوي ببراهينه ،وأحكامه، وال يُخشى عليه من الشبهات واألفكار المخالفة، ألنه دين رب العالمين .وهو يكتسب قوته من ذاته، والله من قبل ومن بعد حافظ دينه لكن من قال إن الخوف هنا هو على اإلسالم ذاته الذي سيحفظه الله؟ حقيقة األمر: أن الخوف على دين المسلم أن يضل عن اإلسالم، وليس خوفاً على .اإلسالم نفسه فالمسلم يخشى على نفسه أن يضل عن الحق، ويترك الهداية، ويتنكب عن .الصراط المستقيم، وليس الخوف على الحق والهداية والصراط المستقيم ،فال معنى إذاً لذكر هذه المقولة عند الحديث عن أهمية الثبات على دين اإلسالم ،وتذكير المسلم بواجبه في المحافظة على دينه، وضرورة صيانته مما قد يضره ويضعفه َ َّ{يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الل :وهو ما أمر الله تعالى به في إشارة قرآنية لطيفة، قال تعالى ]. فهذا األمر الرباني بالموت١٠٢ :[آل عمران }َحَقَّ تُقَاتِهِ وَال تَمُوتُنَّ إلَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون على اإليمان ال يمكن تحقيقه إال بالثبات على اإلسالم طيلة مشوار الحياة، ليضمن .المرء إسالمه لحظة وداعه الدنيا ومن تدبر هذا انفتح له باب فهمِ سبب دعاء المسلم ربَّه في يومه وليلته مرات [الفاتحة: ٦]. فهذه الهداية متضمنة للثبات على ما}َ{اهْدِنَا الصِّ َاطَ الْـمُسْتَقِيم :كثيرة .تحقق منها، وتطلب المزيد من هدايات الرب سبحانه وتعالى
فالخشية إذاً ليست على الدين، وإنما هي على أنفسنا الضعيفة أن تُخذل فتترك : سيد البشر وإمام المتقين الدين، ويكفي أن تستحضر قول الله تعالى في حق نبيه وَلَوْال)#^^٣٧# ً{وَإن كَ دُوا لَ َفْتِنُونَكَ عَنِ الَّ ِي أَوْحَيْنَا إلَ ْكَ لِ َفْتَ ِيَ عَلَيْنَا غَيْ َهُ وَإذًا لَّ تَّ َذُوكَ خَلِيل فالتثبيت هو من الله.]٧٤ ،٧٣ :[اإلسراء } ًأَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَ ْهِمْ شَيْئًا قَلِيل ،سبحانه وتعالى، وليس مجرد قرارٍ يتخذه الفرد استقالالً، وإنما هو هداية وتوفيق والتوفيق مفتاحه صدق اللجأ واالستعانة بالله، وعدم االتكال على هذه النفس أنه لوال تثبيت الله له الضعيفة، واالطمئنان إليها، وإذا قال ربنا تعالى عن خليله !لكاد أن يركن للكفار شيئاً قليالً، فكيف ال يخشى أحد بعد هذا على إيمانه؟ ، مع هذه الحقيقة، وعميق إدراكه لها ويكفيك في هذا أن تتأمل في تفاعل النبي ،(((»وما رتبه عليها من نتائج، حيث كان يستعيذ بالله العظيم من «الحور بعد الكور وهو «الرجوع من اإليمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، إنما يعني الرجوع . وكان يحدث صحابته بقوله: «إن قلوب بني آدم كلها(((»من شيء إلى شيء من الشر َّ: «اللهم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء»، ثم يقول . فمقتضى العلم بجملة الحديث(((»مُصَ رِّفَ القلوبِ صَ رِّفْ قلوبنا على طاعتك . في الجملة الثانية األولى هو الفعل الواقع منه وعجيب حقاً ذلك األثر العميق الذي خلفته هذه الحقيقة في شخص النبي ، حتى صارت هذه الدعوات من أكثر دعائه، حتى قيدت أم سلمة هذه المالحظة عنه فعن شهر بن حوشب قال: قلت ألم سلمة: يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله .» إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . أخرجه مسلم((( . وهو من كالم الترمذي معلقاً على الحديث((( . أخرجه مسلم(((
قالت: قلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: «يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إال وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام .(((][آل عمران: ٨ } {رَبَّنَا ال تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا :ومن شاء أزاغ». فتال معاذ المستمرة حتى خارج بيته، فعن أنس بل إن هذه الحال كانت هي حال النبي يكثر أن يقول: «اللهم ثبت قلبي على دينك». فقال بن مالكٍ قال: كان رسول الله رجلٌ : يا رسول الله، تخاف علينا وقد آمنا بك، وصدقناك بما جئت به. فقال: «إن .(((»القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يقلبها ولله ما أجمل تلك المالحظة الذكية التي أبداها ذاك الصحابي حين فهم من كثرة لذلك الدعاء أنها دعوة لهم لالقتداء به، وأنهم مقصودون بالتذكير بهذا ذكر النبي .المعنى اإليماني العميق فالمؤمن يخشى على دينه أن يضعف أو يسلب، إذ هو أنفس ما يملك، وخشيته هذه هي ما يبعث في نفسه الصيانة والعناية واالهتمام بشأن دينه. وهذه الخشية متى ما تحققت على النحو المطلوب كانت ذريعة للمؤمن لتحصيل حالوة اإليمان، والتي ال تكون إال بمحبة الدين حبّاً يكره معه أن يعود إلى الكفر بعد إذ استنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار، وما من شك في أن من أكبر المهددات للدين االستغراق في .(((»النظر في الشبهات ومالحقتها، إذ «القلوب ضعيفة والشُ بَه خطافة فكثرة الواردات الفاسدة على النفس لها دور هائل في إفساد القلب، فإن القلب ،المنهمك في مطالعة الكتب أو تصفح المواقع المتضمنة التصورات الفاسدة . أخرجه الترمذي، وأحمد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه األلباني((( . أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وصححه األلباني((( .)261/7( سير أعالم النبالء للذهبي(((
ًوالتشكيكات، والشبهات، عرضةٌ لتشرب تلكم المفاهيم المنحرفة، بما ينعكس سلبا على برد اليقين، وصالبة اإليمان. وقد أحسن ابن تيمية النصح لتلميذه ابن القيم حين قال له: «ال تجعل قلبك لإليرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فال ينضح إال بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها وال تستقر فيها، فيراها ًبصفائه، ويدفعها بصالبته، وإال فإذا أَشْ ربتَ قلبك كل شبهة تمر عليك صار مقرا .(((»للشبهات، أو كما قال بل إن االنهماك في هذا ما يحمل بعض الناس على االنصراف عن الحق وطلبه ًكليّاً، فتراه يستكثر من الشبهات حتى تقوى في نفسه وتستقر، فيعمى قلبه، ويكون قلبا .أغلف ينزع من صاحبه الرغبة في الحق، ويصده عنه ،وإذا تدبرت في الكتب المعنية بتتبع آثار السلف، خصوصاً في األبحاث العقدية سينكشف لك مدى التحوط الذي كان يبديه أئمة السلف في تعاطيهم مع الشبهات واإلشكاالت مع عظيم تدينهم وصدق إيمانهم، وهي آثار كثيرة جداً، فمن صور ذلك :التحوط العقدي أن رجالً جاء إلى الحسن البصري فقال: يا أبا سعيد، تعال حتى أخاصمك في .(((الدين. فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه وقال رجل من أصحاب األهواء أليوب السختياني: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟ .(((قال: فولى أيوب، وجعل يشير بإصبعه: وال نصف كلمة وال نصف كلمة .)443/1( مفتاح دار السعادة البن القيم((( .)438/1( الشريعة لآلجري((( .)439/1( الشريعة لآلجري(((
ودخل رجالن من أهل األهواء على محمد بن سيرين، فقاال: يا أبا بكر نحدثك بحديث؟ قال: ال. قاال: فنقرأ عليك آية من كتاب الله. قال: ال. قال: تقومان عني وإال قمت. فقام الرجالن فخرجا. فقال بعض القوم: ما كان عليك أن يقرآ آية؟ قال: إني .(((كرهت أن يقرآ آية فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي وكان ابن طاووس جالساً، فجاء رجل من المعتزلة، فجعل يتكلم قال: فأدخل ابن طاووس إصبعيه في أذنيه، وقال البنه: أي بني، أدخل إصبعيك في أذنيك، واشدد، وال .(((تسمع من كالمه شيئاً. قال معمر: يعني أن القلب ضعيف وليس هذا التحوط في حقيقته ناتج عن ضعف معرفي، بل صحة التصور عندهم مبنيةٌ على حجج وبراهين ومعرفة للحق في مثل هذه الثوابت الشرعية، فال مصلحة .من إصغاء األذن بعدها إلى شيء من الباطل الذي قد يجتذب القلب صوبه ،خصوصاً أن األمر جد، إذ هو متعلق بأعظم المهمات في حياة اإلنسان المسلم ورحم الله مالك بن أنس إذ قال: الداء العضال التنقُّل في الدين. وقال: قال رجل: ما .(((كنتَ العباً به فال تلعبَنَّ بدينك وإذا تدبرت في أحوال كثير ممن يتقصدون موارد الشبه واإلشكاالت، وجدت ًقدراً من هذا التقصد عائداً إلى شيء من الغرور المعرفي الذي يظن صاحبه بنفسه علما عظيماً وفهماً كبيراً، فينكشف جهله مع بواكير ما اطلع عليه من الشبهات، فالسالمة هي في االبتعاد عن مثل- ولم تكن ثم مصلحة شرعية معتبرة- لدين المرء متى ما قدر هذه الموارد، والتعرف إلى الحق بدالئله الصحيحة، أما البروز لكل شبهة وإشكال .فطريق طويل، وصاحبه عرضة لكثير من الزلل والخطأ .)133/1( شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لاللكائي((( .)446/2( اإلبانة البن بطة((( .)605/2( اإلبانة البن بطة(((
فإن اقتضت المصلحة الشرعية االطالع على الباطل، والنظر في الشبهات، للرد عليها مثالً، فاألمر ليس متروكاً لكل أحد، بل له ضوابطه وشروطه. كما أن هذا األمر يتفاوت باعتبارات متعددة، باعتبار حال الشخص ومدى علمه بالشرع. كما يختلف األمر أيضاً بحسب عقل الشخص وطبيعته النفسية. ويختلف األمر أيضاً باعتبار مستوى الشبهة، فأصول الشبهات غير تفاصيلها. كما يختلف األمر باعتبار عموم البلوى بمصدر الشبهة، فالقراءة في المواقع العامة التي تعم البلوى بها تختلف عن الكتب الممنوعة التي يتكلف صاحبها جلبها وقراءتهـا. ويختلف األمر أيضاً باعتبار حال السائل وقربه من عالم أو طالب علم متمكن يزيح عنه الشبهات ويراجعه في .األمر.. إلى غير ذلك من اعتبارات ومهما قدر المسلم على تجنب الخوض في الشبهات، والنظر فيها، فإنه أصون لدينه وأبرأ، وبه يحقق حفظ الدين، إذ ال نزاع بين العلماء أن حفظ الدين رأس ،الضروريات التي جاء اإلسالم بصيانتها ورعايتها، فشرع ما يزيده ويثمره في الواقع ومنع من كل ما يلحق الضرر به، وال شك في أن إطالق النفس للنظر في الشبهات دون .حاجةٍ معتبرةٍ مما قد يلحق الضرر بهذا األصل قد يقال هنا: لكن الذي يخشى من هذه الشبهات هو المؤمن الضعيف، الذي لم يتسلح بالحجة والبرهان، ولم يستعمل عقله ويعتمد على استقالله، بخالف القوي .المطلع المنفتح فإنه ال يخشى على دينه وهذه في الحقيقة عبارات شعاراتية فارغة، تستغل بعض المعاني الحسنة، كالقوة .والعقل، لتضليل الناس، وتمرير أفكار ضعيفة هشة، نظراً ألنها صيغت بشكل مقبول إن من يفقه حقيقة اإليمان يعرف أن كل إنسان ضعيف أمام المؤثرات التي تضر بالدين، وأنه معرض لترك دينه ما لم يتداركه الله برحمته. وكيف يظن مسلم أنه قوي
، وهي حال مطردة عند ال خوف على إيمانه بعد إدراكه ما سبق من حال نبي الله األنبياء، فقد كانوا صلوات الله وسالمه عليهم يدعون الله بالثبات على الدين؛ فهذا ]. ويوسف٣[إبراهيم: ٥ }َ {وَاجْنُبْنِ وَبَنِ َّ أَن نَّعْبُدَ األَصْ نَام:إبراهيم الخليل يدعو ربه ]. ويوصي إبراهيم١٠١ :[يوسف }َ{تَوَفَّنِ مُسْلِمًا وَأَلْـحِقْنِ بِالصَّ الِـحِني :الصديق يقول َ َّ {وَوَصَّ بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِ َّ إنَّ الل:ويعقوب ذريتهما بهذه الوصية الجامعة .]١٣٢ :[البقرة }َاصْ طَ فَ لَكُمُ ادلِّينَ فَال تَمُوتُنَّ إلَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون وهذا في الحقيقة ليس من الضعف، بل هو من الوعي الواجب المبني على فهم عميق لحقيقة اإليمان، وطبيعة النفوس، ومشكلة القضايا الفكرية المثارة، وهو ما يفرض منهجية واعية صلبة في التعاطي معها تتجاوز مجرد الشعور بالضعف والقوة .إلى البحث عن كيفية االستفادة اإليجابية وتجنب اآلثار السيئة ،فالحق أن من يكرر: ال تخف على إيمانك، والمؤمن القوي ال يخاف على إيمانه وعندك من العقل والبرهان ما ال تخشى على اإليمان؛ هو في الحقيقة لم يفقه حقيقة .اإليمان، وال حجم الضرر الذي يمكن أن تخلفه مثل هذه العبارات :فعندنا هنا خمس حقائق يغفل عنها كثير من الناس، هي َ {كَذَلِك:الحقيقة األولى: أن الدخول في اإلسالم من أجلِّ نعم الله على عبده }ُ {يَ ْتَصُّ بِرَحْ َتِهِ مَن يَشَاء:يختار الله لها و ][النساء: ٤٩ }ْكُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّ ُ عَلَيْكُم }ُ{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّ َ يَهْدِي مَن يَشَاء :[آل عمران: ٤٧] وأمرها إليه سبحانه .][البقرة: ٢٧٢ ّالحقيقة الثانية: أن الله يحول بين بعض الناس والهداية، فال يتمكن من فهم الحق َ{أَتُرِيدُون ،]٤٢ :[األنفال }ِ{وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّ َ يَ ُولُ بَيۡ َ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِه :وال ينشرح صدره له :فال ينتفعوا بما يسمعون من حجج وبراهين .][النساء: ٨٨ }ُ َّأَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَ لَّ ٱلل
ْ{وَجَعَلْنَا عَ َ قُلُوبِهِم ،][البقرة: ٧ }{خَتَمَ ٱللَّ ُ عَ َٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَ َٰ سَمۡعِهِمۡ وَعَ َ ٰٓ أَبۡصَ ٰرِهِمۡ غِشَ ٰوَة .]٤[اإلسراء: ٦ }أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِ آذَانِهِمْ وَقْرًا الحقيقة الثالثة: أن الله قد حكى في القرآن أن سبب ضالل كثيرٍ من الناس ،ليس عدم فهمهم لألدلة، وإنما ألمراض سكنت نفوسهم، من حب المال والدنيا َ{وَال تَشْتَ ُوا بِآيَاتِ ثَمَنًا قَلِيلً وَإيَّاي :والتعصب لآلباء، والحسد واإلعراض، وغيرها َّ{وَد ،]٨٣ :[البقرة }َ{ثُمَّ تَوَلَّ ْتُمْ إلَّ قَلِيلً مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُ ون ،]٤١ :[البقرة }ِفَاتَّقُون :[البقرة }كَثِريٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم {زُيِّنَ لِلَّ ِينَ كَفَرُوا،][يونس: ٨٧ }{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِ َلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ،]١٩٠ .وآيات كثيرة تؤكد هذا المعنى .]٢١٢ :[البقرة }الْـحَيَاةُ ادلُّنْيَا الحقيقة الرابعة: أن اإليمان ليس مجرد المعرفة واإلقرار، بل هو التزام وانقياد .، وهذا االمتثال يتطلب تزكيةً للنفس وتطهيراً للقلب وامتثال ألمر الله وأمر رسوله الحقيقة الخامسة: قيام الدنيا على االبتالء والتمحيص، فمن سنّة الله أن يجري ُ{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْـجَنَّةَ وَلَـمَّا يَأْتِكُم مَّثَل :على أهل اإليمان االبتالء واالختبار ]. وقد بيّن الله حكمة هذه٢١٤ :[البقرة }ُالَّ ِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّ تْهُمُ الْ َأْسَاءُ وَالضَّ َّاء } ِ{مَا كَ نَ اللَّ ُ لِ َذَرَ الْـمُؤْمِنِنيَ عَ َ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّ يَمِزيَ الْـخَبِيثَ مِنَ الطَّ يِّب :السنّة الربّانية ]. فقضايا اإليمان ليست مجرد مسائل عقلية تفهم أو ال تفهم، بل١[آل عمران: ٩٧ .تحتاج النفوس مع ذلك إلى اختبار وامتحان ليظهر الثبات والصبر وتقديم مراد الله ،يأتي في هذا السياق تسويغٌ لالنفتاح على األفكار والشبهات من دون أي تحفظ وأن مثل هذا االنفتاح هو الذي يجعلنا نكتسب،الشك هو طريق اليقين بدعوى أن اإليمان المبني على الحجة والقناعة، وهو إيمان قوي راسخ، بخالف إيمان الذي .يخشى على الشبهات، فهو إيمانٌ ضعيف ألنه مبني على تقليد
وهذه في الحقيقة عبارة تسويقية مبنية على ركامٍ حِ جاجي هش، يتبين هذا من :خالل فحصها في األوجه التالية أن من وصل إلى اليقين ال حاجة له أن يعود شاكاً في يقينه مرة:الوجه األول أخرى، فما دمتَ موقناً حقاً بأن اإلسالم هو دين الله الحق، فما معنى أن تدعو الناس !إلى التشكيك في اإلسالم الذي تراه هو الحق يقيناً بحثاً عن هذا اليقين؟ هذا في الحقيقة ال يستقيم إال في حالة وجود شك في اإلسالم، فهنا يقال لمن وجد هذا الشك: يجب عليك أن تبحث عن الحق وتزيل ما علق بك من شكٍ حتى تصل إلى اليقين. أما أن نوقن بأن اإلسالم هو الحق قطعاً، وفي نفس الوقت نحرض .الناس على الشك في الحق ألجل العودة إليه مرة أخرى؛ فهذا ضربٌ من العبث أن الشك ليس طريقاً إلى اليقين دائماً، فهذه عبارة غير موضوعية:الوجه الثاني وال واقعية، فالشاك قد ال يصل إلى اليقين، ومن لم يشك قد يكون موقناً، بل إن من عوَّد نفسه على الشك في اليقينيات وجعل هذا منهجاً له في كل أحواله، لن يستقيم له إيمان بتاتاً؛ ألنه حتى لو تحصّ ل له اليقين سيتحرك عنده الشك مرة أخرى، بسبب خلل .منهجه وفساد طريقته ً أن اإليمان الذي لم يتعود على الشكوك ليس إيماناً ضعيفاً هشا:الوجه الثالث كما يتوهم، فليس قوة اإليمان وضعفه مبنية على القدرة على معرفة الحجاج األدلة في القضايا الدينية الجدلية، ولهذا تجد عند كثير من عوام المسلمين من قوة اإليمان بالدين، والثقة بالله، والتوكل عليه، واليقين بأحكامه، ما ال تجده عند كثيرٍ ممن هو أحسن منهم معرفة بطرائق النظر والتفكير واالستدالل؛ ألن قوة اإليمان ليست مرتبطة لزومياً بمعرفة األدلة والحجاج، فهي سبب نافعٌ لزيادة اإليمان، لكن قد ال ينتفع به .بعض الناس. كما أن اإليمان يتأثر بعوامل غيرها كالعبادات والذكر والتربية وغيرها
فهذه الطريقة إذاً لن تتسبب في الحقيقة إال في زيادة الشكوك وتعميق الحيرة بين المسلمين؛ ألنها تحرّض على الشبهات بال وعي بحالها وال إدراك لحال الناس وال فقه بحقيقة اإليمان. ولو كان مقصده التأكيد على ضرورة تقوية إيمان المسلمين بالحجج والبراهين التي تصونهم من تأثير الشبهات المعاصرة، فهذا حق ال إشكال .فيه، لكن هذا يختلف عن مثل هذا التحريض الفوضوي على الشبهات سيقال هنا: هذا يعني أن نعطل عقولنا فال نعترض وال نسأل وال نناقش؟ والمشكلة الحقيقية ليست مع السؤال بأن يستفسر المسلم عما أشكل عليه من قضايا دينه، بل مع منهجية تعامل المسلم مع األسئلة، فالخلل في طريقة التعامل هو .الذي يسبب االضطراب واالنحراف عما يشكل عليهم ويجيبهم عليه الصالة وقد كان الصحابة يسألون النبي :والسالم، وهذا يدل على أمرين ، ضرورة اتساع صدر اآلباء واألمهات والمربين لألسئلة التي تأتيهم:األمر األول .وأن يجيبوا عليها بما يزيل إشكالها ويقوي اإليمان في النفوس . أن السؤال عما يشكل من أمر الدين ليس محرماً وال مذموماً بإطالق:األمر الثاني إنما يأتي الخلل حين يتسبب السؤال في إضعاف يقين المسلم، ويشككه في أصول دينه، نظراً ألنه لم يحسن التعامل معه، فلم يبحث عن العلم الذي يدفع هذه .الشبهة بل حتى إن لم يجد المسلم جواباً مقنعاً عن استشكالٍ معين اعترضه، فوجود ،إشكالٍ في جزئية معينة ال يؤدي إلى الشك في األصل كله واالنحراف عن اإلسالم فاإلشكال ال ينافي اليقين، فيمكن للمرء أن يظل موقناً بأصول الدين وقطعياته مع بقاء .إشكاالتٍ محددة لم يدرك وجه الجواب عنها في بعض الجزئيات
فاألمر هنا ليس تعطيالً للعقل، وال دعوةً إليقاف التساؤل والبحث والنظر، إنما هو تأكيدٌ على ضرورة فقه حال اإليمان فال يتسبب الشخص في اإلضرار به من حيث ،أراد تقويته بسبب غفلةٍ وتوهماتٍ فاسدة، متأثراً بشعارات تتجمل بالعقل واالنفتاح .بل يتعامل معها وفق منهج موضوعي يضمن له االنتفاع بها والسالمة من ضررها يقال اعتراضاً على هذا التقرير: إن هذا التخوف يحرمنا من االطالع واالنفتاح .واالستفادة مما عند اآلخرين من علوم وأفكار نافعة التخوف من الشبهات لن يحول بين المسلم وأي علمٍ نافع، بل هو في الواقع منهج موضوعي يسهم في صرف المسلم عن إضاعة الوقت والجهد في جزئيات محددة ضارة أو قليلة الثمرة، ليبقى منشغالً باألمور النافعة والعلوم المفيدة في المجاالت كافة، فتجنب الشبهات يعمق الوعي بضرورة التمييز بين العلوم النافعة والضارة في .االنفتاح، وأن ال يَقبل المسلمُ االنفتاحَ على الضار بدعوى البحث عن النافع فالشبهات متعلقة بجانب معين محدد مما يشكك في الدين وقطعياته، فليس في االنفتاح على هذا الجزء من نفع حقيقي للمسلم وقد مَنَّ الله عليه باتباع الوحي واالستنارة بهديه، خصوصاً حين يقبل عليها بال علم وال منهج، وأما بقية العلوم النافعة .فهي مما يُحث على االستفادة منها كما أن اإلشكال ليس في أصل االطالع، وإنما في االنشغال به مع جهل اإلنسان ،وعدم معرفته المعرفة الكافية بما يقوي أثر الشبهة عليه، بسبب ضعفه ال بسبب قوتها فاالطالع على المواد التي تثير الشبهات والشكوك على أصول الدين يتطلب من المسلم أن يكون عالماً بدينه حتى يستطيع أن يناقشها ويرد باطلها، وهذا يتطلب وقتا ًوجهداً ال يبذله أكثر من يطالعون الشبهات، فقد يكون منشغالً بدراسة علمية نافعة ثم ًفي أوقات يسيرة من فراغه يطالع كتباً منحرفة، فهو ال يجد وقتاً وال يملك جهداً موازيا
الطالعه، فيغرق في الشبهات بسبب تقصيره، فالخير له في تركها ما دام أنه لن يبذل ما .تستدعيه من واجب شرعي في العلم والتعلم والخالصة أن مقولة (الدين ليس بهذه الهشاشة فيخاف عليه) تسعى إلى تهوين شأن الشبهات في نفس المسلم، وتعطيه شعوراً زائفاً بالعلو العلمي، الذي كثيراً ما .يتبدد مع لحظة االرتطام بأول شبهةٍ، وإن كانت سهلةً تافهةً في كثير من األحيان