الدين متعايش، ومتصالح، ومتقبل لآلخر، ومنفتح عليه.. وأوصاف كثيرة على غرارها تُساق في مقام الثناء على الدين، وهي تعبّر عن مزيج من المشاعر اإليجابية تجاه الدين، فهو محل للطمأنينة والثقة، وال يحمل أي موقف سلبي تجاه الواقع .أو اآلخرين، بل هو متسامح معه ومع أهله، ال يصادر رأياً، بل يدعو للسلم والتعايش وهذه األوصاف ترد غالباً في سياق الرد على بعض المواقف واالجتهادات التي ٍتصدر عن بعض المسلمين، سعياً من قائلها إلثبات أن هذه االجتهادات تعبر عن تشدد .وتضييق ينافي دعوة الدين إلى التعايش، وتقبل اآلخر، واالنفتاح على الجميع حسناً، أن يدافع الشخص عن دينه، ويظهر انتماءه إليه واعتزازه به وعدم مخالفته ،له، مع انتقاد كل انحرافٍ عن الدين وتبرئة الدين الحق منه؛ كل هذه دوافع إيجابية .وأعمال حسنة، يرجى المسلم ثوابها عند الله إنما الذي نريد فحصه هنا، ونرجو أن ال تؤثر هذه المقاصد في الفهم الصحيح ،لهذه المقوالت، هو في النظر في طبيعتها وفحص مضامينها بعيداً عن حسن النوايا فما معنى كون الدين متعايشاً، منفتحاً، متقبالً، متصالحاً، إلى غير ذلك من األوصاف؟ في الحقيقة أن هذه أوصافٌ مجملة، وغير واضحة بشكل دقيق، ولو سألت من يطلقها عن مقصوده منها الختلفوا في ذلك اختالفاً عريضاً، ولظهر التباين الكبير بينهم .في مفهوم هذه األوصاف، وفي حدودها
وهذه أهم جزئية يجب أن يعيها المسلم المعاصر في فحص كثير من المقوالت ،المؤثرة في االنحراف الفكري المعاصر، وهي مشكلة اإلجمال في المصطلحات ،فحين يعتمد شخصٌ مقولة مجملة، تحتمل معانيَ عدة، وتختلف األفهام في تفسيرها ثم هو يتمسك بها، وينافح عنها، بناءً على فهمٍ معين لها؛ يترتب على هذا أن تمرر من ،خالل هذه المقولة بعض المفاهيم الباطلة التي ربما يكون هذا الشخص منكراً لها .لكن إجمال المقولة جعله ينافح عما ال يعتقده بدون شعور ولهذا، فأول ما ينبغي أن يُعوِّد المسلم نفسه عليه: ترك االعتماد على المقوالت المجملة، فال يأخذه بريق المصطلح وكثافة استخدامه ليردده بال وعي، بل األولى به .أن يترك التعبير بمثل هذه المجمالت ويتقصد المعاني الواضحة البينة فاإلجمال في هذه المصطلحات يجعلها عائمة تحتمل حقاً وباطالً، ويجعلها ،عرضة لتفسيرات قد تكون صحيحةً، وقد تكون باطلةً، فهي مرتهنة إلرادة من يفسرها فإن فسرها تفسيراً صحيحاً أصبح المعنى مقبوالً، وإن فسرها بما يتضمن انحرافاته الفكرية فالمعنى باطل، وقد ال يحسن بعض الناس التعبير عن فكرته بشكل تام، فيقع .في اللبس الذي يحتمل الحق والباطل فقد يقصد به ما يقع من التعايش مع غير المسلمين لكن في حدود الشريعة وبما ال يخالف أصولها وفروعها مما هو معروف في كالم العلماء المستند إلى نصوص الشريعة، سواءً على المستوى االجتماعي أو السياسي، وسواءً كان بين األفراد أو ،الجماعات، فيقصد بذلك أن المسلمين عاشوا جنباً إلى جنب مع غير المسلمين وكان المسلمون يعاملونهم بالحسنى في حياتهم الطبيعية من بيع وشراء وحسن وجوار، وأن اإلسالم كفل لهم حقوقهم، وحكمهم بالعدل، خالل قرون طويلة من .حكم اإلسالم
وقد يقصد به التعايش الليبرالي الذي يعتمد على مرجعية مخالفة للوحي، الذي يقوم فيه التعايش على االحتكام إلى مرجعية مختلفة، ومثل هذا المعنى يقال في ًمفاهيم التصالح واالنفتاح والتقبل، فهذه المعاني يمكن أن يقصد بها معنى شرعيا .ًمقبوالً، وفي الوقت نفسه ممكن أن تقدَّم في وضع يخالف الشريعة قطعا مشكلة مثل هذه المجمالت أنها أصبحت وسيلة بيد كل مصادم ألصول الشريعة وقطعياتها ليمرر انحرافاته من خاللها، فهو يمرر على الناس مفاهيم تنازع الشريعة بألفاظ مجملة، فيقبلها بعض الناس بناءً على وجود حق فيها، وهي تعمل عملها في .ترسيخ بعض المعاني الباطلة دون شعور فمن يدعو إلى إلغاء قاعدة الوالء والبراء في الشريعة الذي جاءت فيه دالئل ًشرعية كثيرة، ال يقوى على نفي هذا الحكم مباشرة وبشكل مكاشف، فيأتي بها تبعا شرعية أخرى كاألمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقوبة الردة، كل ذلك تحت .غطاء الدعوة إلى التعايش ومن يدعو إلى التزهيد في القطعيات الشرعية، وفتح مجال االجتهاد في األصول .)والكليات، والبحث عن الحق في غير الشرع؛ يأتي بها ضمن مقولة (الدين منفتح وهكذا يتم انتقاء بعض الكلمات المواربة للتعبير عن بعض مظاهر االنحراف حتى ال .تصادم الجمهور، فيمر االنحراف بهدوء عبر التسليم بصحة تلك المقوالت المجملة :ولهذا فالحل مع اإلجمال الموجود في هذه المقوالت بأمرين ، تجنب استعمال هذه المصطلحات، وعدم اتخاذها أصالً ينطلق منه:األمر األول وال قاعدة يرجع إليها. فإن احتيج إلى ذكره العتبار ما، فيكون ذلك مبيناً ومفصالً بما .يدفع أي وهمٍ فاسدٍ يمكن أن يحدثه
االستفصال من أصحاب هذه المقوالت في حال الشك في تمرير:األمر الثاني بعض المفاهيم المنحرفة بحيث ال يكون اإلجمال الموجود جسراً لقبول بعض .الباطل، فاالستفصال هو ما يستخرج من هذه األلفاظ معاني الحق فيها، أو الباطل وفي هذه المقولة مشكلة أخرى، وهي أن دين اإلسالم في الحقيقة أعظم من أن يخنق بمثل هذه المصطلحات العصرية المتأثرة بالفضاء الحداثي الغربي، فهو دين ،رب العالمين، دين الرحمة والعدل واإلحسان والهداية والنجاة في الدنيا واآلخرة فمن يظن أن التعبير عنه باالنفتاح والتعايش والتصالح مما يُجمَّل به الدين، فقد أساء جداً من حيث لم يشعر، فاإلسالم أعظم من أن يُحسَّ ن في أعين أهله بمفاهيم ثقافية ملتبسة، وما في الشريعة من األحكام والنظم المتعلقة بالموضوعات المتعلقة بما يسمونه انفتاحاً وتعايشاً وتصالحاً، هو أعظم بكثير من أن يختزل في أوصاف رخيصة ليقال عن ديننا بأنه منفتح ومتعايش، فمثل هذه المقوالت بإجمالها وإطالقها ال يفرح بها، بل الواجب تقييد الثناء بما كان خالصاً فيه، ال ما يمكن أن يعود بالذم على بعض .أحكامه وقطعياته وإذا تدبّرت أحوال كثير ممن يردد مصطلح التعايش وجدته في خضم حماسته للدعوة إليه يروج لقضايا ومفاهيم معينة (كالدعوة إلى األخوة اإلنسانية)، أو يطعن في بعض مفاهيم الشريعة وتصوراتها (كالوالء والبراء، والتكفير)، بذريعة أنها تتصادم في مخياله مع مسألة التعايش المنشود، وهذه هي المشكلة الكبرى مع كثير من دعوات .التعايش الموجودة في الواقع كما سبق بيانه وتقريره فلنستعرض هنا طرفاً من الموقف الشرعي من هذه المفاهيم، وكيف تشكّ ل دعوة البعض للتعايش انتهاكاً مكشوفاً لها، والتعرض لهذه المحكمات بطبيعة الحال سيكون بالقدر الذي يعالج إشكالية هذه المقولة، وإال فتفصيل القول فيها واستعراض .مختلف الجوانب المتعلقة بها سيطول جداً، وليس هو بمقصود هنا
:الوالء والبراء )١ فمن محكمات الشريعة دعوة أهل اإليمان إلى بناء والئهم وبرائهم على أساس دينهم، فالوالية حباً ونصرة مبذولة ألهل اإليمان، والبراءة تكون من الكفار، وهذه معانٍ قطعية في الوحي جاء ذكرها وعرض أحكامها في كثيرٍ من النصوص القرآنية .والنبوية، حتى صار أوثق عرى اإليمان: الحب في الله والبغض فيه :ومن محاسن هذا المعنى الشرعي العظيم أن فيه تحقيق التعظيم الواجب لله تبارك وتعالى، ولشريعته ودينه، فأصل محبة العبد- منصرفة إلى الله تعالى، فهو المحبوب لذاته سبحانه، ثم تدور في فلك حبه هذا بقية ،، ومحبة دينه، ومحبة المؤمنين، وعنه تنشأ أيضاً مشاعر بغضه محابّه، كمحبة النبي .فيبغض ما أبغضه الله من األقوال واألعمال، كما يبغض من أبغضهم الله أنه يحمل المسلم على االعتزاز بهويته اإليمانية، فتراه متميزاً في هديه، ال يقبل- .على نفسه أن يتشبه بغيره، أو يتنازل عن شيء من مكونات دينه أو هويته المميزة أنه يشكل حاجزاً نفسياً من التأثر بدين الكفار، فهو على الدوام يستشعر نعمة- الله عليه باإلسالم، وينظر بازدراء إلى كفر هذا الكافر، ثم يرى لزوم أن يكون حبه .مبذوالً لله تعالى، فمن أحبه الله فهو المحبوب، ومن أبغضه الله فهو المبغوض أنه يبعث في المسلم شعور الشفقة على الكفار، فيكون حريصاً على بذل الخير- .والنصح لهم، ودعوتهم إلى دين الله استنقاذاً لهم من النار وقد يرى بعضهم أن هذا األصل الشرعي ينافي التعايش المطلوب، فكيف يمكن أن نتعايش مع من نتبرأ منهم وال نوادهم؟ وإنما مناط البراءة والبغض في الشريعة هو .الكفر دون الكافر، أو أن األمر يتعلق بالكافر المعادي فقط
والجواب أن يقال: ال يملك أحد حق تغيير مناطات األحكام الشرعية، فالنصوص الشرعية الكثيرة تدل على أن الوالء والبراء معلق باإليمان والكفر، كما أنه معلق بمن :قامت بهم هذه األوصاف، ومن أدلة هذا في القرآن الكريم ِ{ال يَتَّخِذِ الْـمُؤْمِنُونَ الْكَ فِرِينَ أَوْلِ َاءَ مِن دُونِ الْـمُؤْمِنِنيَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّ ِ ف - .]٢ [آل عمران: ٨}ُشَ ْءٍ إلَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّ ُ نَفْسَهُ وَإلَ اللَّ ِ الْـمَصِ ري ِ{يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا ال تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإخْوَانَكُمْ أَوْلِ َاءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَ َ اإليمَان - .]٢٣ :[التوبة }وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّ الِـمُون } ٍ {يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا ال تَتَّخِذُوا الْ َهُودَ وَانلَّصَ ارَى أَوْلِ َاءَ بَعْضُ هُمْ أَوْلِ َاءُ بَعْض- .]٥١ :[المائدة {قَدْ كَ نَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِ إبْرَاهِيمَ وَالَّ ِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا- ِ َّتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّ ِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْ َغْضَ اءُ أَبَدًا حَتَّ تُؤْمِنُوا بِالل .]٤ :[الممتحنة }ُوَحْدَه فتأمل كيف جعل الوحي مناط بغضهم ما تلبسوا به من الكفر، وأن هذا البغض .سيرتفع في حال إيمانهم ،والحق أن مثل هذا التصور في تخصيص الوالء والبراء بالفعل دون الفاعل ،تصور بعيد عن فهم طبائع النفوس وما يعصف بها من مشاعر، فهو تصور غير واقعي ،وهو يمثل نوعاً من القراءة الرومانسية للواقع باستسهال عزل الفعل عن الفاعل وصرف طاقة الحب أو البغض ألحدهما دون اآلخر. وبناء على هذا الفقه لمسائل ،الحب والبغض، فال يصح بتاتاً بغض المعتدين والظالمين، وشحن النفوس ضدهم وتلويث المشاعر ببغضهم، بل يجب أن يكون البغض لالعتداء فقط، أما فاعله فله .كامل الحب والتقدير
إن هذا تصور ساذج وغير واقعي لهذا الباب، ومتى استحضر المسلم أن الله }َ {فَإنَّ اللَّ َ عَدُوٌّ لِّلْكَ فِرِين:تعالى يبغض الكفار ويمقتهم ويعاديهم كما قال تعالى ُ{وَلَ يَزِيد :]. وقال٣٢ :[آل عمران }َ{فَإنَّ اللَّ َ ال يُ ِبُّ الْكَ فِرِين :[البقرة: ٨٩]. وقال ]؛ استثار ذلك في نفسه هذا المعنى٣[فاطر: ٩ }ًالْكَ فِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِال مَقْتا اإليماني العميق ليبغض من أبغضهم الله، فعداوة المؤمن في الحقيقة تبع لعداوة الله } {إنَّ الْكَ فِرِينَ كَ نُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا:تعالى، فمن كان عدواً لله فهو عدو ألهل اإليمان ]. وهو معنى عقلي بيّن، فكيف إذا تعضد بدالئل الشريعة المتواترة١٠١ :[النساء .المؤسسة لمفهوم الوالء والبراء، فإن األمر سيكون محسوماً بالنسبة للمؤمن أما تعليق البغض وجعله مصروفاً لمن اعتدى من الكفار دون من لم يقع في جريمة االعتداء، فغير صحيح أيضاً، وتواتر األوامر الشرعية في هذا الشأن وتكاثر أدلته تأباه، إذ بغض المعتدي هو معنى فطري، وقضية جبلية طبعية ال يستطيع المرء أن يدفعها عن نفسه أصالً، فكيف يتوهم أن هذه الدالئل المتكاثرة من النصوص الشرعية جاءت لتقرير مثل هذه القضية البدهية، التي يمكن أن تلمس آثارها في عالم الحيوان .فضالً عن اإلنسان وأنت إذا تأملت فيما سبق من نصوص وغيرها مما حفل به القرآن والسنة، استبان لك أن مناط البغض للكفار إنما هو بسبب كفرهم بالله ال بسبب اعتدائهم، وال ريب أن االعتداء موجب زائد للبغض، لكنه ليس معنى يصح أن يحصر موجب البغض فيه دون الكفر، خصوصاً لمن يضيق مفهوم االعتداء ويجعله مجرد اعتداء واقع على النفس.. فكيف يطيب لمسلم أن يعتقد أن الله تعالى عدو للكافرين، وأنه ال يحبهم ويمقتهم، ثم يعلن متحدياً: أما أنا فلن أبغض إال من عاداني أو اعتدى عليّ ! ويتغافل عن أن الكفر هو من أعظم الظلم واالعتداء، إذ هو ظلم واعتداء على الرب تعالى
ُ{ال تَ ِد :وعلى رسوله ودينه، وهو من أعظم موجبات البراءة من الكفار، قال تعالى ْقَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّ ِ وَالْ َوْمِ اآلخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّ َ وَرَسُولَ ُ وَلَوْ كَ نُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُم ]. وال يذهب بك الوهم أن محادة الله تعالى ال تكون٢٢ : [المجادلة}ْأَوْ عَشِريَتَهُم إال بإعالن الحرب، فتقول بأن المحاد هو المحارب ليس إال، بل المحاد في لسان َ{يَ ْلِفُون :الشريعة أوسع دائرة من هذا، فإن الله تعالى يقول في صنف من المحادين ِ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُ َادِد)#^^٢٦# َبِاللَّ ِ لَكُمْ لِيُ ْضُ وكُمْ وَاللَّ ُ وَرَسُولُ ُ أَحَقُّ أَن يُرْضُ وهُ إن كَ نُوا مُؤْمِنِني فهؤالء قوم مختلطون بأهل اإليمان غير ]٦٣ ،٦٢ :[التوبة } َاللَّ َ وَرَسُولَ ُ فَأَنَّ لَ ُ نَارَ جَهَنَّم .محاربين، ومع ذلك جعلهم الله محادين له، إذ كل كافر هو محاد لله تعالى قد يقول قائل: كيف يستقيم تقرير مبدأ الكراهية للكفار مع ما أجازته الشريعة من نكاح الكتابيات، أليس الزواج والنكاح من أعظم مداخل الحبّ ؟ والذي يرفع اإلشكال هنا هو إدراك الفرق بين المحبة الطبعية الغريزية والمحبة الدينية الشرعية، فمناط التكليف الشرعي متعلق بالثاني ال باألول، وبغض الكفار هو من هذا القبيل بغض في الدين، أما ما يمكن أن ينطوي عليه القلب من محبة طبعية لموجبٍ كاألبوة والبنوة أو القرابة أو الزوجية أو التهادي أو اإلحسان أو تفريج الكربة أو غير ذلك، فليس ممنوعاً منه، وال يعارض ما يجب تحقيقه من البغض، فإن الجهة منفكة، فالوجهُ الموجبُ للكراهية غير الوجه الموجب للمحبة، كمحبة المريض .للدواء المر لما فيه من الشفاء مع بغضه لمرارته وحتى تحسِن تصور هذه المسألة فاإلنسان مجبول على حب المال، فإذا تصدق بأنفسه اجتمع في نفسه حب وبغض، حب للمال وكراهية لبذله، لكنه من وجه آخر }َ {لَن تَنَالُوا الْبِ َّ حَتَّ تُنفِقُوا مِمَّا تُ ِبُّون:يحب ما يحبه الله تعالى، فيخرج ماله حبّاً لله .]٩٢ :[آل عمران
والمسلم أيضاً مأمور بمحبة أخيه المسلم، فإذا وقع عليه من أخيه ظلم واعتداء ستنقدح في قلبه كراهيته وبغضه، فالكراهية هنا كراهية طبعية ال تتعارض مع بذل .الحب الديني الواجب وبهذا يرتفع اإلشكال، فنحن ندرك أن سيطرة المرء على عواطفه الجبلية قد على أن يقول في دعائه: «اللهم تكون صعبة وغير مستطاعة، وهو ما حمل النبي .. قال أبو داود: يعني القلب(((»هذا قسمي فيما أملك فال تلمني فيما تملك وال أملك فالمشاعر الجبلية هي من قبيل العفو، ومحل البحث ليس فيها، وإنما في المحبة ٍالدينية، وهي محبة طوعية اختيارية تلحظ آثارها عند تعارضها مع ما يضادها من معان طبعية، فإذا أوجبت هذه المحبة الشرعية قوالً أو فعالً فلها التقديم، وإن كان األمر {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا:مبغوضاً للنفس طبيعة وجبلة .]٢١[البقرة: ٦ }َوَهُوَ خَيْ ٌ لَّكُمْ وَعَسَ أَن تُ ِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَ ٌّ لَّكُمْ وَاللَّ ُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ ال تَعْلَمُون آخذاً بيده، فقال له: يا رسول حين كان النبي ٍوبه تفهم ما جرى من عمر : «ال، والذي نفسي الله، ألنت أحب إلي من كل شيء إال من نفسي. فقال النبي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال له عمر: فإنه اآلن، والله، ألنت أحب .(((»: «اآلن يا عمر إلي من نفسي. فقال النبي وقد ال يرتاح بعض الناس لتقرير هذا األصل بناءً على تصوره أن هذا قد يدفع نحو االعتداء على الكفار، أو هضم حقوقهم، أو تعطيل االستفادة والتبادل اإليجابي .معهم، ونحو ذلك ، أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وصححه ابن الملقن، وابن كثير، والشوكاني((( .وشعيب األرناؤوط. وأعله بعضهم باإلرسال كالترمذي، والدارقطني. وضعفه األلباني . أخرجه البخاري(((
،والذي يرفع مثل هذا الوهم الفاسد، استحضار ما أمرت به الشريعة في هذا الباب :حيث إنها : منعت البغي والظلم واالعتداء على المخالفين وأوجبت العدل، فقال تعالى- ]. وقال٢ :[المائدة }{وَال يَ ْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَ دُّوكُمْ عَنِ الْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا .] [المائدة: ٨} {وَال يَ ْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَ َ أَلَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى:سبحانه : «أال من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير وقال .(((»طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة وفتحت المجال واسعاً للتعاون مع كل الناس في الخير والمعروف وما فيه- }ِ {وَتَعَاوَنُوا عَ َ الْبِ ِّ وَاتلَّقْوَى وَال تَعَاوَنُوا عَ َ اإلثْمِ والْعُدْوَان:مصلحة عامة، فقال تعالى : «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي ]. وقال٢ :[المائدة .(((»به حمر النعم، ولو أدعى به في اإلسالم ألجبت : وشرعت بذل البر واإلحسان لمن لم يكن معتدياً من الكفار، فقال تعالى- {ال يَنْهَاكُمُ اللَّ ُ عَنِ الَّ ِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِ ادلِّينِ وَلَمْ يُ ْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَ ُّوهُمْ وَتُقْسِطُ وا .][الممتحنة: ٨ }إلَ ْهِمْ إنَّ اللَّ َ يُ ِبُّ الْـمُقْسِطِني {وَإن جَاهَدَاكَ عَ َ أَن: وأوجبت رعاية من كان له حقٌ من الكفار، فقال تعالى- .]١[لقمان: ٥ }تُشْ ِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَال تُطِعْهُمَا وَصَ احِبْهُمَا فِ ادلُّنْيَا مَعْرُوفًا فالشريعة مبناها على العدل، وإعطاء كل ذي حق حقه، فالمسلم يجمع بين .المعاني الشرعية كلها، وال يضرب بعضها ببعض . أخرجه أبو داود. حسنه ابن حجر. وقال السخاوي: إسناده ال بأس به. وصححه األلباني((( . أخرجه البيهقي في السنن الكبرى. وصححه ابن الملقن(((
والحقيقة أن كثيراً ممن ال يستسيغ عقيدة الوالء والبراء لوقوعه أسير أوهام خطاب التعايش، لم يتخلَ عن ممارسةٍ تندرج في مفهوم الوالء والبراء، وإنما تغيرت عنده األرضية التي يجب إقامتها عليه، فهو في الحقيقة ال يمانع من ممارسة سلوكيات معينة تندرج في مفهوم الوالء والبراء، لكن وفق مبررات ومسوغات غير دينية، كالقومية .والوطنية والقبلية وغيرها ،فاألمر ليس تخلياً كلياً عن مفهوم الوالء والبراء، وإنما إعادة ترتيب لمن يستحقه فيتحول حبه وبغضه من مركز الحب في الله والبغض فيه، إلى مركز جديد يبتعث ذات .المشاعر والسلوكيات لكن وفق معطيات هذا المركز الجديد وهذا مشهد يتكرر في عدد من الملفات الفكرية الساخنة، تظل المفاهيم المنتقدة للتصور الشرعي قائمة في نفس الناقد، لكنها تتمظهر بمظاهر جديدة، وتتحول في .وعيه وتفكيره وسلوكه إلى خانةٍ أخرى فالقتال الذي ينتقده حين يعالج التصور الشرعي للجهاد، ليس هو محل االنتقاد من .حيث هو، وإنما اإلشكال في محركاته وبواعثه، والتي حوّلها لتعمل في منطقة جديدة .وحد الردة الذي ينتقده بشدة، ليس مشكالً إن عبئ بمعطى جديد وقل األمر نفسه في قضية اإللزام وما يجب وما يحرم، فتثور مشكالته في هذه الملفات إن كان موجب اإللزام الشريعة، أما إن كان األمر عائداً ألجندة يؤمن بها لم .تثر في نفسه أي مشكلة، وهكذا في سلسلة طويلةٍ من الملفات والقضايا وهو ما يستدعي إعادة النظر في كثير من المخاصمات التي يقيمها بعضهم لبعض مفاهيم الشريعة، إذ األمر ال يعدو أن يكون إعادة إنتاج لها لكن وفق مرجعية جديدة يراجع من خاللها ما يجب أن يدخل ويخرج عن تلك المفاهيم، مع استمرار صاحب .هذه المخاصمة في إظهار النقد المطلق لتلك المفاهيم
:) الدعوة لألخوة اإلنسانية٢ من المفاهيم التي تمرر كثيراً تحت بنود التعايش مفهوم األخوة اإلنسانية، فما هي مرامي هذا المفهوم الذي يسعى الكثيرون اليوم إلشاعته وترسيخه في العقول واألذهان؟ وما الموقف الشرعي منه؟ :يمكن استكشاف ما يتعلق بهذا المفهوم عبر مالحظة المعاني التالية ، أن استعمال الوحي لمفهوم األخوة لم يرد إال في صنفين فقط:المعنى األول .)هما: (أخوة النسب)، و(أخوة الدين ِّ{وَإن كَ نُوا إخْوَةً رِّجَالً وَنِسَاءً فَلِذلَّكَرِ مِثْلُ حَظ :أخوة النسب والدم فمن استعماالت ْ{وَإلَ ثَمُودَ أَخَاهُم .][األعراف: ٥٦ }{وَإلَ عَ دٍ أَخَاهُمْ هُودًا .]١[النساء: ٦٧ }ِ ْاألُنثَيَي [األعراف: ٥٨]. فهذه األخوة} {وَإلَ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا.]٧٣ :[األعراف }صَ الِـحًا ،النسبية قد تضيق وتتسع، وهي ما علق عليه الشارع أحكاماً متعددة، كصلة الرحم .والنفقة، والميراث، والعاقلة، وغيرها مما هو مبسوط في المدونة الفقهية فهي أخوةٌ تشمل أهل اإليمان جميعاً، وتربط الحقهم :أما األخوة الدينية بسابقهم، سواءً كان من هذه األمة أو من غيرها. وبواعثها انتساب الكل إلى دين واحد ِ َّ{وَٱعۡتَصِ مُواْ بِ َبۡلِ ٱلل( :وهو اإلسالم، فكل مسلم هو أخٌ للمسلم في الدين، قال تعالى ٓجَ ِيعٗا وَلَ تَفَرَّقُواْ ۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّ ِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡ َ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡ بَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦ : «المسلم أخو المسلم ال يظلمه وال يسلمه، ومن ]. وقال١٠٣ :[آل عمران }إِخۡوَ ٰنٗا كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة .(((»من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة . متفق عليه(((
أن مفهوم األخوة اإلنسانية مفهوم حادث لم يرد في نصوص:المعنى الثاني .الشرع، ولم يستعمله علماء اإلسالم، وإنما تم صكه في السياق الحضاري المعاصر والمنهج الشرعي في دراسة هذه المصطلحات هو في تحليل مضامينها الداخلية، ثم فرزها إلدراك هل هي من الحق فيقبل، أم من الباطل فيرفض، أم مزيج منهما فيميز بين .هذا وهذا قد يقول قائل: ما المانع من استعمال هذا المصطلح، خصوصاً أن البشرية كلها .ترجع إلى آدم عليه الصالة والسالم، فكلنا آلدم وآدم من تراب فيقال: ليس االعتراض هنا متوجهاً إلى مجرد تركيب الكلمات ورصفها، وال إلى توليد مصطلحي يمكن تسويغه في ضوء سعة العربية، وتعدد استعماالت كلمة األخ في معاجم اللغة، وإنما المقصود التنبيه إلى مشكالت مَنْشَ أ المصطلح، وما يراد أن .يُمرّر من خالله باستعراض واقع التداول المعاصر لهذا المفهوم سيتجلى حجم:المعنى الثالث التباين بين المعاني المندرجة فيه، والسؤال الذي يهمنا هنا: ما المعنى الذي يراد تمريره تحت الفتة األخوة اإلنسانية؟ خصوصاً أن هذا النمط من األخوة يشتمل على الناس جميعاً، الظالم والمظلوم، والمجرم والبريء، والمسلم والكافر، فما هو المعنى الزائد الذي نستفيده من إدراك اشتمال وصف اإلنسانية هنا، وما األحكام التي يراد ترتيبها عليه؟ إن قُصد بذلك تجسير الفرق بين المسلم والكافر بذريعة أنهم أخوة في اإلنسانية فلم ال يقال ذلك في حق المجرم والبريء، أو الظالم والمظلوم، فهم جميعاً شركاءٌ في اإلنسانية أيضاً، وهم ممن يدخلون في مفهوم األخوة اإلنسانية؟
وهذا ما يكشف تعثرات هذا المصطلح في الواقع، وأن جزءاً من البواعث المحركة الستعماله هو توظيفه في مجاالتٍ تتناقض مع محكمات الوحي، دون أن .يُسعى إلى تمديد سلطانه ليشمل بقية الدوائر اإلنسانية وقد سبق بيان أن من محكمات الشريعة قطع معاني الوالء الديني بين المسلم {يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا ال تَتَّخِذُوا:والكافر، ولو كان هذا الكافر أباً أو أخاً أو قريباً، قال تعالى .]٢٣ : [التوبة}ِآبَاءَكُمْ وَإخْوَانَكُمْ أَوْلِ َاءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَ َ اإليمَان فاألخوة الدينية معنى يبذله المسلم ألخيه المسلم، كما أن الكافر يبذل أخوته ألخيه الكافر، فأخوة الدين ال تقتصر على األخوة بين المؤمنين فقط، والتي قال الله ]. بل غير المسلمين أخوة أيضاً فيما١[الحجرات: ٠ }ٌ{إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إخْوَة :فيها : [آل عمران}ْ{يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا ال تَكُونُوا كَ لَّ ِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا إلخْوَانِهِم :بينهم، قال تعالى .]١٦٥ قد يقول قائل: إن المقصود هو التنبيه في ذكر األخوة اإلنسانية إلى إعطاء وصف فهذا من مقتضيات وصف اإلنسانية، وهو من مقتضيات،ًالتكريم للناس جميعا .األخوة وهذا وإن كان صحيحاً في أصل الخلقة، فاإلنسان في األصل مخلوق مكرم، قال ٍ{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِ آدَمَ وَحَ َلْنَاهُمْ فِ الْبَ ِّ وَالْ َحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّ يِّبَاتِ وَفَضَّ لْنَاهُمْ عَ َ كَثِري :تعالى [اإلسراء: ٠٧]. لكنهم بعد ذلك يتمايزون فضالً وكرامة، وهو ما} ًمِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِ يل ُ{يَوْمَ نَدْعُو كُ َّ أُنَاسٍ بِإمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِ َ كِتَابَه:أشارت إليه اآليات التالية مباشرة، فقال تعالى َ وَمَن كَ نَ فِ هَذِهِ أَعْمَ فَهُوَ فِ اآلخِرَةِ أَعْم)#^^١٧# ًبِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَال يُظْلَمُونَ فَتِيل .]٧٢ ،٧١ : [اإلسراء} ًوَأَضَ لُّ سَبِيل
فالتكريم في اآلية ليس تكريماً مطلقاً كما يظهر من سياقها، بل هو تكريم لخلق ًاإلنسان مقارناً بخلق ما دونه من الحيوانات، ثم هو قد جاء في سياق االمتنان حثا على تحقيق العبودية، ثم قد جاء بعده ما يكشف عن قدر اإلنسان عند الله تعالى متى } ً {أَمْ تَ ْسَبُ أَنَّ أَكْثَ َهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إلَّ كَ ألَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَ لُّ سَبِيل:ما كفر به ]. والتكريم على كل حال ال يقتضي ما يتوهم مما سبق ذكره من المعاني٤٤ :[الفرقان .الفاسدة من األخوة اإلنسانية والمقصود: أن جوهر المشكلة هنا ليس في أصل إطالق األخوة اإلنسانية، وإنما فيما تتضمنه من دعوة إلى إسقاط أحكام األخوة اإليمانية على األخوة اإلنسانية، أو هدر أحكام األخوة اإليمانية، وهو ما يتناقض مع أصول اإلسالم الذي اختص أهل َ َ{مُ َمَّدٌ رَّسُولُ اللَّ ِ وَالَّ ِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ ع:اإلسالم بمعانٍ من األخوة ال يشركهم فيها أحد .]٢ [الفتح: ٩}ْالْكُفَّارِ رُحَ َاءُ بَيْنَهُم :) التكفير٣ من األصول الشرعية المقررة في مباحث األسماء واألحكام في كتب العقائد أن {هُوَ الَّ ِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَ فِرٌ وَمِنكُم:الناس يتمايزون فيما بينهم إلى مؤمن وكافر وأن هذه األوصاف تستتبع أحكاماً عقدية.]٢ :[التغابن }ٌمُّؤْمِنٌ وَاللَّ ُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِ ري أو عملية، وهي ما تجد تفاصيله في مدونات العقيدة والفقه، وليس القصد هنا تحرير ما يتعلق بحقيقة الكفر أو أحكامه، وإنما اإلشارة إلى ما تضمنته بعض دعوات التعايش من تخفف لما تراه مستشكالً في هذا االصطالح (الكفر)، وهو ما يحملها على السعي الستبداله بمصطلحات مخففة، كاآلخر مثالً، ظنّاً أن هذا أدعى لتحقيق السلم والتعايش المنشود. ولست أدري ما يصنع هؤالء بهذه التوصيفات المتواترة في القرآن بتسمية من وقع في الكفر كافراً؟! وكيف سيحلون مشكلتهم مع سورة يحفظها كل
مسلم جعل اسمهما (الكافرون)؟! وهو أمر يكشف عن خطورة ابتالع المصطلحات .المضللة واالنطالق منها لمعالجة الواقع ًإن تعليق وصف الكفر على عددٍ من المعتقدات أو األقوال أو األفعال يعد أمرا ظاهراً في نصوص الوحي، ال يستدعي االسترسال في التأكيد على دالئله، فالتكفير وصف شرعي مرده إلى الشريعة، فهي التي تحدد ما يكون كفراً، ثم تنزل تلك األوصاف على األشخاص بحسب الميزان الشرعي المبني على ضرورة اجتماع الشروط وانتفاء الموانع، وليس في هذا أي ظلمٍ لشخص أو طائفة، ألن هذا من تسمية .األمور بأسمائها والحق أن التمييز بين اإليمان والكفر شأن بدهي، وإلغاء هذا الفرق يحيل اإليمان إلى مادة هالمية تقبل الشيء ونقيضه، فبمجرد أن تسعى إلى ضبط مدلول اإليمان وتحديد ما يدخل في إطاره، فأنت ترسم تلقائياً حدود الكفر وتقرّ بوجوده، ولذا فما من نحلة أو دين إال وهي تعتقد أن من لم يلتزم بعقائدها وتصوراتها كافر، وفي ضوء .هذا التصور قال بعضهم وقد أحسن: دين ال تكفير فيه ليس بدين وليس في االعتراف بهذا القدر مضرةٌ، وإنما تحصل المضرة متى ترتب على هذه :ولذا فالشريعة راعت في موضوع التكفير أمرين مهمين ..األوصاف ظلم حقيقي عدم التعجل بإسباغ هذا الوصف لغير المستحق، وذلك لخطورة ما:األمر األول .يترتب عليه من أحكام ترتيب ما يناسب هذا الوصف من أحكام شرعية تميزه في الواقع:األمر الثاني عن اإليمان، وفي ترتيب تلك األحكام تمام العدل، إذ مبنى الشريعة على التفريق بين المختلفات، وال فرق أظهر وأجلى من الفرق بين الكفر واإليمان، فمن العدل أن .يعطى اإليمان حقه، وأن يعطى الكفر حقه، وليس في هذا غضاضة أو إشكال
بقي التنبيه إلى أنه ليس المقصود مما سبق منع استخدام لفظة اآلخر مطلقاً في توصيف الكافر، أو التحفظ من ذكر وصف الكفر ألي مصلحة شرعية، وإنما مالحظة .تجاوز المصطلح الشرعي واستبداله قصداً بغيره :) الجهاد4 يتمدد أثر المفهوم السلبي للتعايش في عصرنا ليصل إلى تحريف مفهوم الجهاد في اإلسالم أيضً ا، حيث إن التعايش يقتضي وجود سالمٍ بين الشعوب قائم على معاهدات مشتركة تمنع قيام الحروب، وتفتح المجال لكافة العالقات االقتصادية والتبادل التجاري بين الدول، وأما القول بوجود جهادٍ في اإلسالم فهو يعني تقويض .هذا السالم، وإعالن الحرب على الجميع وقد أوقع هذا اإلشكال كثيراً من المعاصرين في مأزق، اضطروا بسببه إلى نفي وجود مفهومٍ للجهاد في اإلسالم يتجاوز الدفاع عن النفس ضد العدوان، فال وجود ًفي نظرهم ألي جهاد يقصد إلى إعالء كلمة الله وإقامة نظامٍ يحكم بالشريعة، وبناء وخلفائه عليه رجعوا إلى نصوص الشريعة، ووقائع التاريخ اإلسالمي في عهد النبي .الراشدين بالتأويل بحمل ذلك على كونه دفاعاً محضاً ضد عدوان اآلخرين والحق أن القول بالتعايش السلمي المعاصر ال يقتضي مثل هذا التحريف، فال أحد من علماء المسلمين في عصرنا يقول بجهاد الطلب في هذا العصر، بل وال يقول مثل هذا عاقل، لما فيه من ضرر بيّن، وفساد ظاهر، وهو من االعتبار القطعي الذي .ال يخفى على عموم المسلمين، فما بالك بعلمائهم إذا أدركتَ هذا علمتَ أنه ال أثر لمفهوم جهاد الطلب في التأثير على التعايش السلمي المعاصر، فتحريفه ونفي وجوده هو محض بحث جديد ال عالقة له بوجود
حاجة ماسة معاصرة إلى التعايش السلمي، فالمفهوم كما سبق ال يوجد من يدعو إليه .في عصرنا، وال من يقرره الذي حصل إذن، أنهم عادوا إلى النصوص الشرعية فحرفوا مفاهيمها، وقدموا ًوقائع التاريخ اإلسالمي في غير صورتها الحقيقية، فمفهوم التعايش كان أثره نفسيا في دفع بعض النفوس إلى تحريف المفاهيم من دون وجود أي حاجة حقيقية لهذا .التحريف من األساس ونفي وجود هذا الجهاد في اإلسالم أو تاريخ المسلمين هو محض مكابرة، فاألدلة فيه ظاهرة محكمة، ويكفي استحضار وقائع الجهاد في تاريخ الخلفاء الراشدين ليدرك .المسلم قطعاً أن هذه الوقائع لم تكن كلها من قبيل جهاد الدفع المحض وال يعني القول بوجودها أننا نقرر هنا مشروعيته في هذا العصر، أو ندعو لرفض .المعاهدات المعاصرة، فهذه كما سبق ال يقول بها عالم وال عاقل ،وإنما القصد التأكيد على أهمية المحافظة على محكمات الشريعة من التحريف ،فالجهاد الشرعي محكمٌ ديني ال يمكن تجاوزه أو تحريفه لعظيم مكانته في الشرع ًوكثرة ما ورد فيه من النصوص والدالئل، ، وهو أمر ال يبعث على التواري منه خجل .بسبب طعن طاعن أو لمز المز فظاهرة التحريف ال تراعي هذا كله، وال تتعامل مع الموضوع بما يتطلبه من ،ًموضوعية علمية، بل بسبب انصياعها لقيم الحضارة الغالبة تظن أنها تحسن صنعا إذ ترى مثل هذا من صيانة اإلسالم بنفي ما تراه باطالً، وال تدري أنها حين تقر بأن هذا باطل وأنه ضرر وعدوان محرم، فهي تطلق العنان للخصم لالستطالة على اإلسالم أكثر، ألن أدلة ثبوت هذه األحكام أقوى، فما دمتَ مُسَ لِّمَاً بكونها باطلة وتضر بسمعة
اإلسالم فقد أقررت بوجود طعن في اإلسالم. بينما من نصر الحق كامالً، فراعى .ًالواقع وحاجاته، وحافظ على المفاهيم فلم يحرفها، لم يجد الطاعن عليه مدخال خالصة األمر أن التعايش في االستعمال المعاصر مصطلح مجمل، تمرر من خاللها مفاهيم عدة متأثرة بحمولة فكرية تتصادم مع بعض األحكام الشرعية، وحين نطيل الحديث في فحص مضامينها فليس في ذلك دعوة إلى إهدار ما فيها من مضامين صحيحة ومعانٍ معتبرة، وإنما ضرورة التفطن إلى ما تتضمنه من إشكاالت لئال تتسرب .من خالل هذه المعاني الصحيحة