الرئيسية الفهرس المقولة 32
المقولة 32

الإسلام الوسطي المعتدل

) اإلسالم الوسطي المعتدل32( يتردد على ألسنة كثير من الناس في عصرنا مصطلح اإلسالم الوسطي، أو اإلسالم .المعتدل، ويقصدون به أننا نتمسك باإلسالم وفق رؤية معتدلة ال غلو فيها وال تطرف وهذا المعنى من حيث هو ليس محل إشكال، فالتمسك باإلسالم باعتدال، ونبذ الغلو .والتطرف، أو التحلل والتفريط؛ مسلكٌ حسن، وال يختلف عليه أحد لكن التعامل مع هذه المقولة ال ينبغي أن يكون بهذه السهولة، وأنها مجرد تعبير عن ضرورة التمسك باإلسالم ونبذ االنحراف عنه بالغلو أو الجفاء، بل نحن أمام سياقات ومضمرات تتضمنها هذه المقولة ال بد من فحصها، وإظهار ما فيها من :مشكالت، وسنذكر منها هنا سياقين مهمين :السياق األول ما سبب تخصيص اإلسالم بهذا الوصف وصف االعتدال؟ أو بمعنى آخر، لماذا َال يقال: نحن نتمسك باإلسالم، ونتمسك بالسنة، ونتمسك بالشريعة. وإن أحببت ،، أو على منهج السلف الصالح فأضف: وفق المنهج الصحيح، أو على هدي النبي .ونحو ذلك ما سر تخصيص (االعتدال) ليكون مالزماً لإلسالم، وكأن اإلسالم بحد ذاته ال .يكفي لإلبانة عن هذا المعنى الواقع أن كثرة تخصيص اإلسالم بوصف االعتدال، ونبذ التطرف، له إيحاءات ًسلبية، فاستحضار هذا الوصف دائماً عند أي حديثٍ عن اإلسالم افتخاراً به، واعتزازا

اإلسالم الوسطي املعتدل بقيمه، ودعوة لتحكيمه، والرجوع إليه؛ يحمل في طياته موقفاً سلبياً من اإلسالم شعر به هذا الشخص أم لم يشعر، فكأن اإلسالم أصبح في حالةٍ مشكوك فيها، وأن التطرف والغلو أصبح سمة من سمات اإلسالم في عصرنا، فال بد من التبرؤ منها حتى ال يُساء الظن بصاحبها، فيشترط على نفسه أن تكون دعوته مقصورة على ما يسميه اإلسالم .المعتدل جزء من المشكلة هنا وقوع بعض الناس تحت سطوةِ ضغط الماكينة اإلعالمية الرهيبة في عصرنا، التي تسعى لربط اإلسالم بالغلو والتطرف، وأسهم في زيادة اإلشكال أدوات وعقول من المسلمين رسخوا هذا االنطباع السلبي في نفوس ،الكثيرين بممارسات مغالية ينسبونها إلى الدين، فجنوا على دينهم وهويتهم وجعلوها محل تهمة وعيب، ثم أسهم آخرون من المسلمين في تأكيد هذا االنطباع السلبي بالحرص على استحضار وصف االعتدال عند ذكر اإلسالم ليتأكد لكثير من .المراقبين أن اإلسالم من حيث هو ال يمثل قيم االعتدال والوسطية والحقيقة أن مثل هذه القيود تتضمن تبرئةً للشخص من وصمة الغلو والتطرف ال الدفاع عن اإلسالم، فكأنه يقول: أنا بريءٌ من أي إسالم آخر، وإنما أسير في حياتي وفق إسالم معين هو اإلسالم المعتدل الذي يختلف عن غيره. فهو في الحقيقة يزيد من تكريس هذه النمطية الجائرة الفاجرة في االعتداء على اإلسالم من حيث يتوهم .أنه يريد الدفاع عنه إذاً، ديننا اإلسالمي هو دين االعتدال، فليس ثم حاجة ألن نقيده بوصف االعتدال. وحين نقول اإلسالم فهو اإلسالم بأحكامه وأصوله، هو دين العدل واالعتدال والرحمة والنجاة في الدنيا واآلخرة، نفخر بذلك ونعلي الصوت به، وال نخجل منه ونطأطئ الرأس بسبب ضغط إعالمي يجيء من هنا أو هناك. ووجود من

اإلسالم الوسطي املعتدل يغلو أو ينحرف ال يعني أن اإلسالم أصبح مشبوهاً أو مخيفاً أو غير واضح، فال بد من تخصيصه، فهذه انحرافات عنه يجب بيان حالها وتوضيح زيفها، دون الحاجة ًإلى جعلها مؤثرة في مفهوم اإلسالم نفسه، بحيث يكون اإلسالم في حد ذاته محال .للتهمة، ويصبح االنتساب إليه دون ضوابط وقيود موضعاً للشبهة :السياق الثاني وهو يتعلق بمفهوم االعتدال المقرون باإلسالم، فما هذا االعتدال؟ يمثّل االعتدال إحدى السمات الحاضرة عند مختلف التيارات واالتجاهات الفكرية المعاصرة، فالكل يدعو إلى االعتدال ونبذ التطرف، وهذا ما يحتم ضرورة معرفة حدود االعتدال والمرجعية المحددة له، إذ بدون هذا التحديد لن يكون لالعتدال أي معنى، وسيكون قالباً يمرَّر من خالله مختلف االنحرافات في السلوك والتصور، ثم تنسب تلك االنحرافات لإلسالم بذريعة أنها تمثل اإلسالم الوسطي .المعتدل وضابط معرفة االعتدال الممدوح هو الشريعة نفسها، فاإلسالم يحمل في ذاته جواباً عن حدود االعتدال، فمن تمسك باإلسالم حقاً بأحكامه وتشريعاته وحدوده فهو الواقع في مربع االعتدال، المبرأ من مظاهر الغلو وصور الجفاء، وليس ضابط .االعتدال مستوحى من معايير خارجة عن اإلسالم تحدد لإلسالم مفهوم االعتدال فليس للمسلم أن يُحكِّ م أعرافه وتقاليده، أو أهواءه الشخصية، أو رضوخه لهيمنة ثقافة وافدة على اإلسالم، فيستخرج من ممارسته هذه مظاهر االعتدال المنشود الذي يمتدح صاحبه، بل الواجب محاكمة هذه جميعاً إلى أصول الشريعة ومحكماتها، فما كان موافقاً لها فهو االعتدال، وما كان مخالفاً فليس من االعتدال ولو مأل صاحبها .فضاء الدنيا حديثاً عن االعتدال

اإلسالم الوسطي املعتدل هذا هو المنهج الذي يجب أن يكون عميقاً في وعي كل مسلم، فال يكتفي بمجرد رفع الفتة االعتدال واتخاذه شعاراً، بل يجب فحص هذه الدعوى وفق منهج الشريعة .لمعرفة الصحيح من المغشوش وتلحظ هنا أن شيوع ظاهرة التساهل في اللمز واالتهام بالغلو والتطرف ما يضعف تأثير مثل هذه التهمة في الواقع، فال يبقى لها ذاك األثر في صرف الوجوه والقلوب عنه، ألن كل طرف يطلق على اآلخر تهمة الغلو، ثم يتفاخر باالنتساب إلى االعتدال، فالحل لمعالجة إشكاالت التطرف والغلو هو في التحاكم إلى كتاب الله لمعرفة مواطن الغلو والتطرف، والجفاء والتساهل، ولندرك موضع وسنة رسوله االعتدال حقاً، ونعي دائرته، وهو ما يُحَ تِّمُ على كل طرفٍ أن يثبت اعتداله من خالل .التزامه بدالئل الكتاب والسنة، ال من خالل الشعارات والدعاوى الفارغة سيقال: لكن االحتكام إلى الكتاب والسنة سيقع فيه من االختالف ذات ما يقع .هنا :فالجواب يدرك من خالل الجمع بين أمرين أن هذا االختالف ليس موجوداً في كل القضايا، بل ثم مواضع:األمر األول محكمة يمثل فيها االعتدال دائرة من أصابها فهو المعتدل ومن انحرف عنها يميناً أو شماالً خرج عن حد االعتدال، وهم في ذلك على درجات بحسب قربهم وبعدهم من .هذه الدائرة وثم مواضع تحتمل الخالف المعتبر، والنظر االجتهادي، وال يسلب المختلفون وصف االعتدال ما دام اختالفهم سائغاً وما داموا يعملون في هذه الدائرة، وإن كان االعتدال في نفس األمر شيئاً واحداً، لكن القدرة على إدراكه هنا على سبيل القطع واليقين غير مستطاعة، وهو ما يجعل دائرة الخالف السائغ فضاءً لهذا االعتدال

اإلسالم الوسطي املعتدل المنشود، فاالعتدال هنا وإن لم يستبن بشكل واضح عند الجميع، لكن يظل أمره .محصوراً في دائرةٍ من األقوال المعتبرة التي ال يسوغ الخروج عنها أن ثم منهجية شرعية منضبطة يجب السير عليها طلباً لألرجح من:األمر الثاني .تلك األقوال التي تمثل في عين هذا الطالب موطن االعتدال :فالخالف في دعوى التمسك بالكتاب والسنة يمكن حسمه من خالل هذين المعيارين .معيار المحكمات التي ال يختلف فيها، ومعيار المنهج الذي يسار إليه في النظر ،فالوسطية واالعتدال في التصور الشرعي هو نتيجة للتمسك بالكتاب والسنة فمن تمسك بالشرع فهو الوسطي المعتدل، ومن خالفه فليس كذلك. وهي ليست موقفاً يتخذه اإلنسان بأن ينطلق إلى نقطة الوسط بين طرفين متخاصمين ويضع نفسه .بينهما، وإنما هو أثر وتابع التباع الشرع ،ومن هنا تدرك أن سبيل الوسطية ليس في اتخاذ موقف الوسط بين كل طرفين بل هذه الوسطية قد تكون ممدوحةً، وقد ال تكون كذلك، وهو ما يمكن استكشافه ومالحظته من خالل الموقف القرآني من موضوع الوسطية، فالوسطية في ضوء ،الوحي ليست وسطية واحدة في الحقيقة، بل هي وسطيتان: وسطية مطلوبة مرغوبة .ووسطية مرفوضة مذمومة فمن أمثلة الوسطية المطلوبة في القرآن: وسطية من أنعم الله عليهم من المؤمنين ِ ْ صِ َاطَ الَّ ِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَي)#!!٦# َ{اهْدِنَا الصِّ َاطَ الْـمُسْتَقِيم :الداعين ربهم بقوله {وَال تَ ْهَرْ بِصَ التِكَ وَال :ً [الفاتحة: ٦، ٧]. ومنها أيضا}َالْـمَغْضُ وبِ عَلَيْهِمْ وَال الضَّ الِّني {وَالَّ ِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْ ِفُوا :ً ومنها أيضا.]١١ [اإلسراء: ٠} ًتُ َافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْ َ ذَلِكَ سَبِيل [الفرقان: ٧٦]. وغير ذلك من شواهد قرآنية تكشف أن}وَلَمْ يَقْتُ ُوا وَكَ نَ بَيْ َ ذَلِكَ قَوَامًا .ًموضع الوسط قد يكون ممدوحاً مطلوبا

اإلسالم الوسطي املعتدل :وأما الوسطية المرفوضة فمن شواهدها القرآنية ما حكاه الله من أحوال المنافقين :ً]. ومن شواهده أيضا١٤٣ :[النساء }ِ{مُذَبْذَبِنيَ بَيْ َ ذَلِكَ ال إلَ هَؤُالءِ وَال إلَ هَؤُالء .]١ [النساء: ٠٥} ً{وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْ َ ذَلِكَ سَبِيل ومن شواهده في السنة النبوية: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى .(((»هذه مرة وإلى هذه مرة والفرق بين هاتين الوسطيتين في الحقيقة يعود إلى طبيعة الطرفين، فإن كانت .وسطاً بين باطلين فهي ممدوحة، وإن كانت وسطاً بين حق وباطل فهي مذمومة والخالصة أنه مع زخم الدعاوى والخصومات، وكثرة الطرق على أهمية االعتدال، قد ال يتفطن المسلم إلى أن بعض هذه الدعاوى تسعى ألن تقيد اإلسالم باالعتدال الذي تريده، فاالعتدال عندها وصف خارجي، وقناعات مسبقة متأثرة ًبمرجعيات مختلفة، تُسَ لَّط على اإلسالم ليصاغ منه ما يسمونه بعد ذلك إسالماً وسطيا .ًمعتدال فصاحب المرجعية الليبرالية مثالً يضع تصوراته في الحرية التي ال تعتد بأي محظورات دينية، وتبيح العالقات المحرمة، وينسب قناعته المتشكلة في ضوء هذه ،المرجعية إلى اإلسالم، ويأخذ في الوعظ والتذكير بأهمية اإلسالم الوسطي المعتدل .واإلسالم براء من هذه الوسطية وذلك االعتدال . أخرجه مسلم(((

التالي → 33 - الدين ليس هشا حتى يخاف عليه ← السابق 31 - الدين متعايش